نتنياهو يستغل "الهولوكوست" ويمعن في تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني

بقلم: حجاي إلعاد -مدير عام "بيتسيلم"

لم يخترع نتنياهو فكرة استغلال "الهولوكوست" كرافعة للكسْب السّياسيّ لكنّه وصل في هذا المجال إلى حضيض جديد، كشأنه في مجالات أخرى كثيرة في السّياسة الإسرائيليّة في أيّامنا.

وكانت صحيفة "هآرتس" قد نشرت أنّ رئيس الحكومة يعتزم أثناء حضوره في منتدى "الهولوكوست" العالميّ الخامس - الذي عقد في القدس لذكرى مرور 75 عامًا على التحرّر من أوشفيتس - أن يستغلّ الفرصة لكي يدعو قادة العالم إلى منح الدّعم العلنيّ للموقف الإسرائيليّ القائل بأنّ محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي لا تملك صلاحيّة قضائيّة في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة، علمًا أنّه موقف متنصّل وباطل.

لقد سارع نتنياهو إلى شنّ هذه المناورة منذ الشهر الماضي حين لم تكن قد مضت بعدُ 48 ساعة على بيان المدّعية العامّة للمحكمة فاتو بنسودا بأنّها وبعد دراسة أوّليّة استمرّت خمس سنوات مستعدّة لفتح تحقيق حول الوضع في فلسطين، تبعًا لحُكم قضائيّ يحسم مسألة الصلاحيّة القضائيّة. لم يضيّع نتنياهو لحظة واحدة إذ عاجل في تعقيبه إلى وصف البيان بأنّه "مرسوم جديد يصدر ضدّ الشعب اليهوديّ - مرسوم لا ساميّ يصدر عن محكمة الجنايات الدوليّة".

خطوة نتنياهو هذه ممعنة في بؤسها وهزالتها فكريًّا وأخلاقيًّا فالفلسطينيّون الواقعون تحت الاحتلال الإسرائيليّ هم شعب مجرّد من أيّة حقوق ووجوده كلّه خاضع لنزوات المحتلّ التعسّفيّة منذ عشرات السنين. لا يحقّ لهؤلاء الفلسطينيّين انتخاب الحكومة التي تتحكّم في جميع أوجُه حياتهم ولا يوجد لديهم جيش يحميهم ولا يسيطرون على حدودهم غير الموجودة أصلًا ولا يملكون قرار السّفر إلى الخارج، بل إنهم لا يعلمون كم من الوقت يستغرق الوصول إلى القرية المجاورة هذا إذا سُمح لهم بالوصول إليها.

كما أنّ فلسطينيّي المناطق المحتلّة لا يملكون فرصة إنصافهم عبر أجهزة القضاء الإسرائيليّ حيث يُصدر مدّعو النيابة والقضاة في حقّهم أحكامًا تدينهم في جميع الحالات تقريبًا. في الوقت نفسه تعمل هذه الأجهزة على تبرئة عناصر قوّات الأمن وإعفائهم من أيّة مسؤوليّة عن قتل الفلسطينيّين أو التنكيل بهم أو تعذيبهم.

بالنسبة إلى الفلسطينيّين محكمة الجنايات الدوليّة هي الملاذ الأخير بكلّ معنى الكلمة. ولكنّ نتنياهو المدعوم من قبَل القيادة الإسرائيليّة كلّها يحاول أن يسلب من أيديهم حتّى هذه الإمكانيّة.

الإصرار على سلب الملاذ الأخير من شعب يبحث عمّن يُنصفه - ولو قليلًا ومتأخّرًا جدًّا لهو دليل على فقدان الإنسانيّة. أمّا الإقدام على هذا السّلب من خلال استغلال الناجين من "الهولوكوست" والإصرار على أنّه يتمّ نوعًا ما باسمهم فهو إهانة كبرى وليس فقط لهم.

كم من فقدان الذاكرة التاريخيّة يلزم وكم من غياب الضمير والأخلاق يحتاج أيّ كان لكي يتجاهل العبرة الأساسيّة التي استخلصها العالم من رماد أربعينيّات القرن العشرين: لا يجوز أن يبقى أيّ إنسان مجرّدًا من الحقوق تحت أيّ ظرف كان. وكما جاء في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان "الاستهتار بحقوق الإنسان واحتقارها قد أثمرَ أفعالًا وحشيّة وجّهت ضربة قاسية لضمير الإنسانيّة".

لكنّ نتنياهو يوغل في إمعانه أبعد وأبعد. إنّه يزعم أنّ ذلك الرّماد يؤدّي فعلًا إلى استنتاج معكوس: أنّ هناك شعبًا - هو الشعب الفلسطينيّ - يستحقّ أن يجرّد من جميع الحقوق وفي كلّ الظروف.