عشاق العتيقة في حضرة التيه... وللقدس حراسها!

بقلم: يونس العموري

في حضرة التخبط والغياب تتغير المعاني ، ولربما تنقلب أيضا موازيين لغة الكلام ، فأبجديات قوامسينا تبدلت ، وضجيج خطاباتنا اختلف ، ولغتنا العربية صارت ركيكة لا نفهم معانيها كونها تحمل كل التفاسير التي نريد، وانقلبت كل المفاهيم وتداخلت كل القيم وصار لا بد من أن نعتلي مقامات الشأن الرفيع حتى نعي ونستوعب اللغة من جديد... ولا بد لنا من أن نجيد دهاليز اللعب على كلمات الحذلقات السياسية ومواءمة الفهم بالفهم الرشيد لما يقوله السادة الكبار في القوم.

في حضرة الخربشات ودهاليز الظلام كل شيء قد تبدل، وصار لا بد من أن نستوعب أننا أمام مجاهيل الدروب ، ولا بد لنا من أن نجيد من جديد التعلم والتعليم لكيفية الكلام وخطاب اللحظة الفارقة في عوالم النفاق والشقاق والخضوع للمعايير التلمودية الجديدة المتوافقة مع جشع زعماء القرن الجديد ومفارقات استبدال الحقائق والمتاجرة بدماء الأبرياء الذين كانوا فيما مضى الضحايا واصبحوا اليوم القتلة بامتياز بكل لحظات الحلم المُتشكل بثنايا الوجع ، واولي الامر بالزمجرة الكلامية منشغلون، ويبايعون الكل بالرد والرد قد اضحى ثغاء أحوى ... والعاصمة بالوجع تحاول ان تنهض بشهامة رجالها وجميلاتها المتعثرات بأزقة الحواري ما بين الهم والغم ومحاولة الابتسام.

في حضرة الفزعة والشهامة اللحظية غير المُخطط لها كفعل فطري لا ارادي ، لا مكان لمن يريد أن يتحدث عن الشجن و الحزن والهم .. لا بد من أن تختصر الكلمات، فالقابعين بالأستانة مطاردين بالهموم والأشجان... ولا مكان للفقراء هنا... واقصد فقراء فهم الفهم الجديد ولا مكان إلا لمن يجيد فن اللعب على الكلمات... وإلا فمكانك هناك في حضرة الغياب والتغييب كما هي عاصمة المدائن القابعة ببهاء، المقاومة بعنفوان، القادرة على احداث المفاجأة والصدمة، الغائبة عن يوميات المزمجرين بالكلام الرفيع، الحاضرة بالخطابات العصماء في منابر عاصمة السراب.

لا بد لك وأنت تعبر المكان أن تقف لدقائق عند القبر المزخرف هناك شاكيا باكيا مهموما محاولا القول والصراخ، حتى تنبه ذاتك أنك بزمن غير الزمان، وبمعادلة اخرى رموزها مختلفة عما كان.

عشاق العتيقة ادركوا انهم في زمان التيه والمتاهات، والمكان اضحى مختلفا وسكان القصور هناك عند التلال والرمال لا يحبون المجاملات وليس لهم عادات الترحاب والترحيب بزوار المكان القدامى... الذين لا يجيدون صناعة الاحلام خارج ذاكرة المكان والزمان... الغرباء بأحلامهم وارتجالاتهم. عشاق العتيقة جاءوا من نبض الوجع الساكن بين ثنايا معابدها المهجورة... ومن عبق أبخرة صوامعها المعمورة بأرواح من عبروا المكان ونقشوا اسماءهم على الجدران... ومن أقاصيص سفر التكوين منذ ان تعالت صيحات التهليل والتكبير للأتي من السماء... ولمن سار على الماء.... واستقر مصلوبا على تلة المعبد العتيق... ومن قصة الصعود الى السماء ليلقي خطابه هناك بحضرة الأنبياء... جاءوا من فسحة الأمل الموصولة ما بين الأرض وسماء الصعود... جاءوا ليشكوا الحال والحال قد أضحى غريبا عجيبا.

القدس بالإنتظار... وانتظارها قد طال... وجميلات حواريها ما عدن ينتظرن قدوم الليل او أول الصبح... وصرن العجائز المنتظرات لابتسامة عابرة، ولحكايات الزمن الجميل... ورجالها يفترشون الأرض ويلتحفون السماء عند الأسوار ويناجون الرب ابتهالا بأن يبقوا على عهد القدس وان يمنحهم شيئا من فعل رجولة ضاعت في دهاليز العصر الجديد.... عشاق العتيقة جاءوا لينطقوا الكلمة الفصل في عصر الإنهيارات الكبرى... وجاءوا ليقولوا ان للقدس حراسها وان للمعبد سجد ركع معتصمين بحبل الله جميعا... ولم يهونوا ولن يهونوا وسينطقون بالضاد دوما...

في حضرة اللحظة، تتبدل الإشارات ويهب من يهب واقفا مؤيدا او مدافعا عن طبيعة المرحلة وظرفية الواقع ومتطلبات الواقعية السياسية الجديدة... ومن انصار يهوذا من يهتف بحياة وحكمة ورؤية القولبة الجديدة ... رجالات المتاهة متأهبون بكل مكان لمن تخول له نفسه ان يحلم خارج إطار أحلام الواقعيين الجدد... او لمن يحاول استذكار مقاربات الحوار الذي كان. قال احدهم .. رجال القدس تائهون ضائعون ما بين زعماء القبائل... وامراء الجيوب المنتفخة... ومن يحترفون تنميق الكلام... ودعاة العصرية المعولمة والمعلبة بالمفاهيم القادمة من صناع الحرب والسلم تجار بلاد العم سام ..وقال اخر.... القدس ما عادت قدسنا... صارت حكاية في كتب صفوف المدارس حينما نتحدث عن تراثنا... وعن ذاك الفيصل وبيت الشرق حينما كان قبلة لكل من يأتينا شاكيا باكيا متضرعا لنصرته ونصرة حقه... ومن قال نريدها عربية... ومن زمجر مستنكرا تهويدها... وأسرلة سكانها... ومن وقف صارخا شاكيا حق اطفالها بالتعلم والتعليم...

واخر قال انا أميرها... ومخلصها... ولا بد من مبايعتي.. وكان خلاف وحوار من يكون الأمير... ومن سيكون سيد القدس ..؟ وما هي افعاله..؟ وكيف سينطق بلغتها..؟ ويقسم عليها وبها... وتناطح الجمع بالكلمات وكنا كما كنا بحضرة التيه نرتل من وراءه الكلمات... ليكون الفصل الجديد في مسلسل تكوين اللجان لرفع التقارير لصناعة الصمود من جديد.... ولكن هذه المرة بما يتناسب ووقائع المرحلة ومتطلبات العصرية المعلولمة.... لنأخذ بالحسبان ان الطريق الى القدس الأن تتطلب سلوك الطرق الجديدة بفعل الجدران العالية الفاصلة للحلم والمانعة له من ان يتشكل!!