القابضون على جمر الوطن

بقلم: محمد خالد الأزعر

وفقاً لأحدث الإحصاءات وعمليات الرصد، التي أعلن عنها مركز الإعلام الفلسطيني، فقد أكملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع بداية العام 2019، تحويل ما يزيد على 400 ألف دونم من مساحة غور الأردن إلى منطقة مغلقة.

وحظرت على الفلسطينيين ممارسة أي نشاط زراعي أو عمراني أو غير ذلك، وأنشأت هناك 97 نقطة عسكرية وزرعت ألغاماً أرضية، بعضها مبثوث بمحاذاة تجمعات السكان الأصليين البدوية وبين مراعيهم ومصادر مياههم. بالتوازي مع هذه الإجراءات، كثفت القوات الإسرائيلية غاراتها على فلاحي الأغوار، هبوطاً إلى درك تجريف مزارعهم ومصادرة جراراتهم الزراعية.

وبالنسبة لبر الضفة والقدس، كشفت منظمة بيتسيلم الإسرائيلية النقاب عن حدوث ارتفاع غير مسبوق في العام الماضي، لعمليات هدم البيوت والوحدات غير السكنية متعددة الأغراض. وذكرت المنظمة أن البناء غير المرخص هو الذريعة الوحيدة لاستئصال منازل المقدسيين.

علماً أن الأهالي مجبرون على مثل هذا البناء «لأن البلدية الإسرائيلية تحول دون إصدار التراخيص المطلوبة، وتتعمد تحويل حياتهم إلى جحيم لا يطاق سعياً لتهجيرهم من المدينة». وعلى غرار ما يجري في البر، تلاحق إسرائيل الفلسطينيين في البحر.

وقد وثق مركز الميزان لحقوق الإنسان 351 انتهاكاً، اقترفه جيش الاحتلال عام 2019 بحق الصيادين في مياه قطاع غزة الإقليمية تتضمن «ملاحقتهم في عرض البحر، واعتقالهم والاستيلاء على مراكبهم ومعداتهم وتخريب شباكهم ومولداتهم الكهربائية وإشاراتهم الضوئية.

علاوة على تعريتهم بالكامل وإنزالهم في مياه البحر في ظروف جوية قاسية، وابتزازهم لأجل التعاون الاستخباري». وجراء ذلك انخفضت أعداد العاملين في قطاع الصيد والحرف المرتبطة به من 10 آلاف شخص عام 1997 إلى 5700، منهم 3600 صياد، وبات هؤلاء من الأشد فقراً في المجتمع.

من المعلوم للخلق أجمعين أن ما يقترفه الإسرائيليون بحق الفلسطينيين، في البر والبحر، يمثل أفاعيل إجرامية متكاملة الأركان؛ تخالف بلا مواربة كل القوانين السماوية والوضعية.

وللإنصاف ينبغي الاعتراف بأن الأطر والتنظيمات السياسية والحقوقية الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية ذات الصلة لم تقصر، في العام الماضي ولا في أعوام الاحتلال من قبل، في توصيف هذه الأفاعيل وإلقاء الضوء عليها وإدانتها.

لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ملاحظة كيف أن هذه المشاهد الإجرامية ونحوها، تدور في فلك المنوالية والتكرار، ولا تواجه سوى بردود أفعال نظرية بحتة تكاد تخلو تماماً من مناقب العقاب الرادع، وأن أيدي الاحتلال تبدو طليقة في هذا السياق.

هذا السيناريو القديم الجديد، حيث الجريمة المقترنة بالإدانة والتوبيخ وليس بالعقاب، لا يجب أن يصرفنا بعيداً عن بعض ما يستبطنه الإسرائيليون من وراء ما يفعلون.

فعند التأمل في تفاصيل السياسات الإسرائيلية، إزاء المزارعين والصيادين وفئات العمال والبنائين ورجال الصناعة والتجارة، وسائر المجتهدين الساعين في مناكب الأرض، نتأكد أنها حرب ضروس ضد كل ما من شأنه تجذير المجتمع وإثبات جدارته وديمومة وجوده.

مصادرة جرارات الفلاحين تعني «حرمانهم من وسيلة الحراثة ونقل الناس والمياه في دروب لا تصلها المركبات، وإيقاع خسارة مالية تتجاوز طاقة الأسر المحدودة أصلاً».

وقل مثل ذلك عن تحطيم مراكب الصيادين وتقطيع شباكهم وإرهابهم بإطلاق النار عليهم واعتقالهم، وكذا عن الترصد لقطاع العمال من ملح الأرض بالحواجز «الأمنية»؛ التي تغرقهم في دوامة يومية من النكد وفقدان الكرامة وشهية الغدو إلى مواقع العمل والرواح منها.

من مجمل هذه الإجراءات الجزئية التي تضرب على الأعصاب العارية، تصبح حياة الفلسطينيين وتمسي موضوعة على صفيح ساخن، وربما ساقت شرائح منهم إلى اليأس والقنوط وكراهية الذات، والتفكير في إيجاد مسارب ومسارات للنزوح والهجرة. والحق أن السيرة الكفاحية للمجتمع الفلسطيني تنفي تماماً وقوعه في هذه الحالة. لكن السؤال هو إلى متى؟!

الشاهد أن أبناء هذا المجتمع، القائمين كشوكة كبيرة في حلق المشروع الاستيطاني الصهيوني، يحتاجون إلى مقومات الصمود والصلابة أكثر بكثير من حاجتهم لزيارات وفود الرصد وتوثيق معالم الجرائم.

يقول أحد المتضررين في الأغوار: «دعمنا موصول بتعويضنا مالياً وتوفير الجرارات والحفارات ومعدات الزراعة والمواشي، وليس فقط بنداءات التضامن الموسمية». ونحسب أن هذا هو بيت القصيد.

عن "البيان" الإماراتية