الرئاسة الأمريكية والتوازن السياسي

بقلم: الدكتور ناجي صادق شُرّاب

لا يمكن فهم عملية العزل التي يقودها الديمقراطيون في مجلس النواب، وتوجيه اتهامات للرئيس ترامب بإساءة استخدام سلطاته التنفيذية، والصراع حول صلاحيات الرئيس العسكرية، وقرار الحرب، ولا يمكن أيضاً فهم القرارات الأخيرة التي اتخذها الكونجرس، بما فيها القرار الأخير بوقف الدعم الرئاسي للتحالف في اليمن، إلا في ضوء الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، واستعادة نظام الكوابح الذي يعيد للنظام السياسي الأمريكي توازنه، واستقراره.

ولا يمكن فهمه أيضاً إلا في رغبة الكونجرس، ورغبة الديمقراطيين الذين يسيطرون على مجلس النواب لرد الاعتبار لدور الكونجرس، خصوصاً في مجالات السياسة الخارجية. 
هذه الرغبة في رئيس بلا قيود، ودور أكبر للكونجرس ليست بالتقليد الجديد، بل طغت هذه الرغبة على مراحل عدة في النظام السياسي الأمريكي، وإن بدت مظاهرها أكثر مع إدارة الرئيس ترامب.

ولا شك في أن ترامب نجح في التأسيس لرئاسة تتمحور حول شخصيته الفردانية، وخلق ما بات يعرف اليوم بحقبة ترامب الرئاسية. فمنذ توليه الرئاسة اتخذ العديد من القرارات الأحادية داخلياً، وخارجياً، وكانت لها تداعياتها الخطيرة، فقد ذهب بعيداً عن حلف الأطلسي الحليف التقليدي للولايات المتحدة، وخرج من اتفاقية المناخ، وانسحب من الاتفاق النووي مع إيران، إلى جانب قراراته في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووقف كل المساعدات عن السلطة الفلسطينية، وكذلك المساعدات المقدمة لـ«أونروا»، وانسحابه من أكثر من منظمة دولية، إلى جانب تهديده للعديد منها.


ومن أكثر القرارات خطورة انسحابه من الاتفاق النووي مع روسيا، وفرضه الضرائب على كل السلع التجارية مع الصين، وكندا، والمكسيك. 
وفى الواقع، فإن هذه القرارات لا يمكن أن تفهم إلا في ظل تراجع دور الكونجرس، وعوامل أخرى ساهمت في تقوية السلطة التنفيذية، مقابل السلطة التشريعية، بما يعرّض مبدأ الكوابح، ويعرّض دور الكونجرس للتراجع.

وفي الحقيقة، فإن المشكلة تتجاوز الرئيس ترامب وإدارته، لتعود لعملية سياسية تراكمية وطويلة في تراجع دور القوى المقيدة لسلطة الرئيس الأمريكي. وهذه العوامل تتلخص في تنازل، أو تراجع دور الكونجرس، وتراجع دور وقوة الجهاز البيروقراطي المسؤول عن تنفيذ القرارات الرئاسية، أو عرقلتها، وفي تراجع دور، وقوة، ونفوذ التحالفات الدولية.


ولعل أبرز عاملين ساعدا الرئيس ترامب في هذه القرارات الرئاسية غير المقيدة بحدود دور الكونجرس باعتباره يمثل السلطة التشريعية حسب الدستور، والكونجرس يتكون من مجلسين الأول النواب والذي يتناسب عدده مع عدد سكان كل ولاية ويتكون من 534 عضواً، والشيوخ الذي يتكون من مئة عضو، أي عضوين عن كل ولاية، والشيوخ يسيطر عليه الجمهوريون الذين يشكلون طوق حماية للرئيس. 
وعلى الرغم من أن النظام السياسي الأمريكي رئاسي، ويقوم على مبدأ الفصل المطلق بين السلطات، ولكن تحسباً كما أراد المؤسسون الأوائل، والتخوف من تحول الرئيس إلى ديكتاتور غير مقيد، أوجدوا نظام الكوابح، فكما رأينا أن الرئيس يصادق على قرارات الكونجرس، ورفضها، واستخدام الفيتو، وبالمقابل يملك الكونجرس صلاحيات كثيرة إزاء الرئاسة في مجال السياسة الخارجية، وتوقيع المعاهدات، وفي مجال قوانين الحرب والسلطات المالية، فالمال بيد الكونجرس استنادا لمبدأ لا ضريبة من دون تمثيل.

*استاذ علوم سياسية - غزة