عزل ترامب... ما بين المناورة السياسية الديمقراطية والجمهورية

بقلم: معين عودة*

خلال كتابة هذه السطور، يجلس جميع أعضاء مجلس الشيوخ الامريكي الـ 100 للاستماع للساعات الاخيرة من مرافعات أعضاء فريق الادعاء من طرف مجلس النواب الامريكي لعزل الرئيس ترامب. وبداية من الغد سيبدأ فريق دفاع الرئيس رده، الادعاء يطالب مجلس الشيوخ بإلزام وزارة الخارجية والبيت الابيض بالاستماع الى الشهود والافصاح عن الوثائق المتعلقة بالمحادثة الشهيرة بين دونالد ترامب ونظيره الاوكراني فلاديمير زيلنسكي التي جرت بتاريخ 25 تموز/ يوليو الماضي، في حين سيرفض الدفاع ذلك ويطالب باغلاق هذه المحاكمة وتبرئية ترامب بدون الدخول بالتفاصيل.

بغض النظر عن التفاصيل القانونية والدستورية والخوض في الاسس القانونية للعزل، لا يتوقع –حتى أكثر الديمقراطيين تفاؤلا- أن يفضي هذا الاجراء الى عزل ترمب، ففرص العزل المتوقعة هي صفر تقريبا، إذا لم تكن صفراً فعلاً.

تأتي محاولات العزل هذه في السياق التاريخي لهذه العملية في الترتيب الثالث، فهي المرة هي الثالثة في تاريخ الولايات المتحدة التي يصوت فيها مجلس النواب على عزل الرئيس. المرة الاولى كانت عام 1868 عندما نجا الرئيس السابق اندرو جونسون من العزل (بعد اتهامه بتحقير قرارات الكونجرس) بفارق صوت واحد، والمرة الثانية كانت عام 1999 عندما واجه بيل كلينتون اتهامات بالكذب تحت القسم وتمت تبرئته أيضا. وقبل ذلك، استقال الرئيس ريتشارد نيكسون من الرئاسة عام 1974 قبل ان يتم التصويت على عزله بمجلس النواب على أثر فضيحة ووترجيت.

ومن الجدير ذكره هنا، أن البرلمان الامريكي (الكونجرس) مكون من مجلسين منفصلين، الاول معروف باسم مجلس النواب وعدد نوابه 435، يتم انتخابهم مرة كل عامين، ويتوزع النواب حسب عدد السكان بين الدوائر الانتخابية. ويسيطر على هذا المجلس الحزب الديمقراطي بواقع 232 مقعد، مقابل 197 للجمهورين، ومقعداً واحداً يشغله مستقل.

ويعتبر مجلس النواب المجلس "الادنى" وكل تشريع يبدأ فيه. وفي المقابل يبلغ عدد أعضاء مجلس الشيوخ "المجلس العلوي" أو المعروف بالسنت، 100 عضو ويتمثل بنائبين عن كل ولاية، ويتم انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ مرة كل 6 سنوات، ويسيطر على المجلس اليوم الحزب الجمهوري، حزب الرئيس الحالي، بواقع 53 عضو مقابل 47 للديمقراطيين.

اجراءات العزل تبدأ بمجلس النواب، كما حدث مع ترامب، ثم إذا وافق المجلس باغلبية بسيطة على بنود العزل يتم الانتقال الى مجلس الشيوخ –حيث ترامب موجود الان- وهناك يجب ان يصوت ثلثي اعضاء مجلس الشيوخ بالموافقة على عزل الرئيس حتى يتم عزله وازاحته من البيت الابيض بشكل قانوني، وفي حالة ترامب، صوت مجلس النواب على بندين لعزله: الاول سوء استخدام سلطته كرئيس، والبند الثاني هو تحقير وعدم احترام قرارات الكونجرس.

يدعي ترامب ان الرغبة بعزله بدأت من اليوم الاول لدخوله البيت الابيض، ويرى أن الديمقراطيين يستعملون أي حجة من اجل الانقلاب على الشرعية وعلى تصويت الشعب، كما وصفها بأكثر من تغريدة على حسابه على تويتر. وكعادته هاجم ويهاجم ترامب الديمقراطيين بعنف وبوقاحة كبيرة. كما ويصف المحادثة التلفونية مع الرئيس الاوكراني بانها "رائعة ومتكاملة". ورأى في إجراءات العزل التي يقودها الديمقراطيون "مطاردة الساحرات والنكتة السياسية".

يتهم ترامب الديمقراطيين بأن إجراءات العزل التي يقومون بها هدفها في المقام الاول التأثير على الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الجاري. فهو ومؤيدوه يرون ان خطة العزل الاساسية كانت بموضوع تدخل روسيا بالانتخابات، لكن وبعد ان صدر تحقيق المحقق الخاص مولر ولم يتم اتهام ترامب بالتعاون مع روسيا للتأثير على الانتخابات، قام الديمقراطيون باستعمال مكالمته "الرائعة"، على حد قوله، مع الرئيس الاوكراني كخطة بديلة.

بأي حال، ترامب وبصفته تاريخياً أحد أبرز وجوه تلفزيون الواقع، يحاول جاهداً استغلال المحاكمة في مجلس الشيوخ لاظهار نفسه بافضل صورة امام مؤيديه لإعادة انتخابه بعد عشرة أشهر او اقل. وهنا يظهر جليا كيف اختار ترامب فريق دفاعه. فالفريق في معظمه يتألف من قانونيون ومحامين معروفين جداً اعلامياً، ومهمتهم الاولى الاستعراض الاعلامي في مجلس الشيوخ. اختيار ترامب لهذا الفريق بعناية لم يكن بسبب الخبرة القانونية للمحامين، بل بسبب قدراتهم الإعلامية، فترامب، كما فريقه القانوني-الإعلامي، لا يسعى الى اقناع سيناتورات مجلس الشيوخ كون ولاءهم للرئيس وللحزب مضمون، لكن المحاكمة ستستخدم كمنصة اعلامية ضد الديمقراطيين ومرشحهم القادم للرئاسة.

لا يختلف اثنان ان خلف اجراءات العزل ضد ترامب دوافع سياسية قوية، فالديمقراطيون ما كانوا ليقوموا باجراءات العزل فقط لان ترامب هدد الامن القومي خلال مكالمته مع زيلنسكي كما يزعمون. فالديمقراطيون يرون القضية مجازفة تستحق المحاولة، فهم متأكدون ان مجلس الشيوخ لن يعزل ترامب، وان الاغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ تدعم الرئيس بالكامل، لكنهم يراهنون على تشويه صورة ترامب باكبر قدر ممكن قبل الانتخابات، وإذا ما نجحوا بإقناع 4 اعضاء جمهوريين بالاستماع لبعض الشهود، فان هذا سيطيل امد المحاكمة حتى إذا ما اختار الديمقراطيون مرشحهم وواجه/واجهت ترامب في المناظرات الرئاسية، فان وضع هذا الاخير سيكون مهزوزا ومتهما بإساءة استخدام السلطة وبتحقير قرارات الكونجرس، مما يسهل الانتصار عليه في الانتخابات.

معركة الديمقراطيين الحقيقة الان هي باقناع 4 أعضاء جمهوريين بمجلس الشيوخ بالانضمام إليهم، والتصويت بإلزام بعض الشهود المركزيين، كرئيس طاقم البيت الابيض ومستشار الامن القومي السابق، بالحضور والشهادة تحت القسم حول ما حصل بتلك المكالمة وما سبقها او تلاها. وإذا ما نجحوا بذلك، فهذا معناه نجاح كبيرا لاستراتيجيتهم. فريق الدفاع يسعى من طرفه الى رفض حضور اي شاهد وانهاء المحاكمة باسرع وقت ممكن، وقبل خطاب ترامب المرتقب في الكونجرس بداية شباط.

باي حال، استطلاعات الراي لا تظهر تأثر كبيرا لشعبية ترامب، بل على العكس، بعض الاستطلاعات اظهرت ان جزءاً كبيراً من الشعب الامريكي سئم من كثرة تناول موضوع العزل، ولا يريد ان يسمع عنه أكثر، ولكن يظل من المحتمل، ان تأتي اجراءات العزل بنتائج عكسية، بحيث تزيد من فرص ترامب للفوز مرة اخرى على العكس من الخطة الديمقراطية لتشويه صورته.

ان المتابع للمواقف الإقليمية العربية بشأن اجراءات العزل يرى ان الاصطفاف خلف او ضد ترامب متعلق بموقف ترامب من الانظمة الحاكمة بهذه الدول، ففي حين تتابع بعض أكبر المحطات العربية اجراءات العزل بشكل كبير، تتجاهل محطات عربية اخرى كبيرة هذه العملية، وان تناولت احداها هذا الحدث، تتناوله من موقع الدفاع عن ترامب بقوة شديدة، والاستهزاء بالإجراءات الديمقراطية ضده.

اما من ناحية الفلسطينيين، فان القرارات التي اتخذها تجاه نقل السفارة الامريكية الى القدس واغلاق مكتب تمثيل منظمة التحرير في واشنطن، ومحاكمة عزله الغير متوقع بالمرة، قد تفرح الفلسطينيين ولو لحظياً. ومع التسريبات المتسارعة الى وسائل الاعلام عن نية ادارة ترامب الاعلان عن "صفقة القرن" هذا الاسبوع، فان ترامب المُهاجم داخليا يرغب بشدة بتوجيه الانتباه الى ملفات غير عزله.

باي حال، على الفلسطينيين التحضر لفكرة بقاء ترامب وفريقه في البيت الابيض لأربعة اعوام اخرى، فشعبية الرجل لم تتأثر بمحاكمة العزل، والاقتصاد الامريكي بوضع جيد ومستويات البطالة منخفضة والمرشحون الديمقراطيون في وضع ضعيف، وبالتالي، فان احتمال بقائه وارداً جداً، وعلى الفلسطينيين تحضير خطط وسيناريوهات للرد عليه لا مجرد الانتظار والتمني له بالخسارة.

ان ما قام به ترامب يقوم به الكثير، إذا لم تكن جميع الانظمة الحاكمة العربية، وبشكل شبه يومي، لا بل يقومون بأسوأ منه كثيرا، لكن لم ولن تحلم الشعوب العربية، بعزل الملك او الرئيس سلمياً. فعندنا الرؤساء والملوك لا يخطؤون، وإذا ما ارادت الشعوب عزل الرئيس، غالباً ما يكون بانقلاب او ثورة. وإذا ما حصل وفشلت محاولات الانقلاب او الثورة، فالويلُ للإنقلابيين، والويل للثائرين.

..................................................................................

*محلل سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية، يتابع حاليًا دراسته لنيل درجة الدكتوراه في جامعة جورج ميسون بواشنطن.