صفقة القرن يتم تنفيذها بهدوء ولا يزال الإنقسام ينهش في الجسد الفلسطيني!!

بقلم: فيصل أبو خضرا

عضو المجلس الوطني الفلسطيني

مع إعلان نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، امس الأول في القدس الغربية أنه وجه دعوة لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومنافسه بني غانتس، رئيس حزب "أزرق أبيض"، للتوجه إلى البيت الأبيض الثلاثاء المقبل للاطلاع على تفاصيل ما يسمى "صفقة القرن"، وسط تسريبات مصادر مطلعة أن هذه الصفقة تتضمن الزام الجانب الفلسطيني بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ورفض حق اللاجئين في العودة وضم المستوطنات والسيطرة على الغور والحدود الخارجية ونزع سلاح غزة والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وغيره من الإجحاف بحق الشعب الفلسطيني، فإن ذلك يثير عدة تساؤلات في مقدمتها: الا تُعتبر هذه الشروط هي ما نفذه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب على الأرض حتى الآن؟ بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وإعطاء الضوء الأخضر للتوسع الاستعماري، واعلان بومبيو ان المستعمرات لا تتعارض مع القانون الدولي والمطالبة الاميركية الدائمة بنزع السلاح؟ وقطع المساعدات عن وكالة الغوث، الأنروا، أي ان إدارة ترامب نفذت الجزء الأكبر من "صفقة القرن قبل إعلانها.

والسؤال الآخر الذي يطرحه هذا التطور هو: اذا كان السلام يصنع بين طرفين الفلسطيني والإسرائيلي او العربي والإسرائيلي فلماذا لم تكلف إدارة ترامب نفسها عناء إطلاع الجانب العربي او الفلسطيني حتى عبر طرف ثالث على تفاصيل هذه الصفقة؟

والأهم ان اي سلام بين طرفين في المنطقة أو العالم يجب ان يقوم على أساس الشرعية الدولية وقراراتها فكيف للسلام ان يتحقق على أساس إلغاء حقوق مشروعة لطرف ومنحها للطرف الآخر بعيدا عن الشرعية الدولية وقراراتها وبما ينسجم مع أطماع غير شرعية لطرف على حساب الآخر؟

لقد مر على المأساة الفلسطينية ما يقارب مائة عام واكثر ، وحتى قبل المرتشي البريطاني بلفور، الذي باع ضمائر الشعوب الاوروبية بحفنة من جنيهات روتشيلد الصهيوني، الذي كان مسيطرا على الاقتصاد البريطاني. وبعد عام ١٩٤٨م استلم راية الخزي والعار الرئيس الامريكي ترومان ، بعد وفاة الرئيس روزفلت، وهو الرئيس الذي اجتمع مع العاهل السعودي رحمه الله في قناة السويس على الطراد كوينسي قبل عامين من النكبة ووعده بأن لا يغير أي شيء في الوضع الفلسطيني قبل موافقة الشعب الفلسطيني. ولكن بعد وفاته استلم راية الاٍرهاب الدولي غير المأسوف عليه ترومان، الذي قسّم بجرة قلم فلسطين الى دولة يهودية صهيونية على مساحة تبلغ أكثر من ٥٢ بالمائة و ٤٤ بالمائة للشعب الفلسطيني، صاحب الارض والذي شكل الغالبية الساحقة من السكان، والباقي تركها لحكم الامم المتحدة والتي تشمل القدس والأماكن الدينية والأثرية .

اما النكبة الثانية فقد كانت في العامين ١٩٤٩-١٩٥٠ عندمًا وقعت دول الطوق الاتفاقيات التي كانت حصيلتها هدنات دائمة بين دول الطوق العربي والعدو ، ولكن بدون شرط عودة اللاجئين ، مما تسبب بتكريس اللجوء القسري في الشتات.

اما النكبة الثالثة فقد كانت بهزيمة العرب الكبرى في العام ١٩٦٧م مما نتج عنها احتلال ما تبقى من فلسطين حتى يومنا هذا.

ورغم النضال المتواصل لشعبنا بقيادة منظمة التحرير وما تحقق من انجازات رسخت اسم فلسطين في المحافل الدولية ثم اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة الوطنية على أجزاء من أرض فلسطين ثم انتخابات ٢٠٠٦، فقد شهد عام ٢٠٠٧ حتى اليوم ولا يزال شعبنا في الوطن والشتات بكل أطيافه يعيش نكبة الانقسام ، والذي يعتبر من أهم السقطات في تاريخ نضال هذا الشعب الصابر المناضل، فهذا الانقسام اساء لنضال الشعب الفلسطيني وكان سببا في تراجع الدعم العربي والدولي والأهم ان الاحتلال الاسرائيلي استغله ولا يزال من اجل المضي قدما في تنفيذ مخططاته. وها هي مأساة ومعاناة أهلنا في قطاع غزة اكبر شاهد على تداعيات هذا الانقسام، وكذا ما يجري اليوم من استغلال واشنطن وتل أبيب للانقسام في محاولة لفرض صفقة القرن كحل للصراع فيما يستعد الاحتلال بدعم إدارة ترامب لابتلاع الأغوار وباقي الضفة الغربية بما فيها القدس.

والآن تحاول إسرائيل ابقاء الوضع الفلسطيني كما تريده هي واميركا، أي سلطة فلسطينية تحت الحكم الاسرائيلي كي يمارس الشعب العربي الفلسطيني حياته اليومية تحت الحكم الاسرائيلي اي كيان بدون سيادة، مثلما قال نتنياهو ( اقل من دولة واكثر من حكم ذاتي) وقطاع منفصل تماما عن الضفة الغربية ، ويحكم نفسه بموافقة اسرائيلية امريكية وبعض الدول الإقليمية وبسيطرة إسرائيلية على كامل القطاع بحرا وبرا وجوا، وهو ما يرفضه الشعب الفلسطيني وقيادته. يجري كل ذلك بدلاً عن انهاء هذا الانفصال المخزي وعودة القطاع الى حضن الوطن الفلسطيني كما كان، وليس كما تريده اسرائيل وأميركا دويلة مستقلة داخل جيب محاصر.

وباختصار فإن ما يسمى مشروع صفقة القرن يجري تنفيذ خطوطه العريضة وفرضها بقوة الاحتلال والدعم الأميركي له.

ومن الواضح ان انتظارصفقة العار او القرن هو غباء سياسي بامتياز، ولذلك لا تراهن القيادة الفلسطينية برئاسة الأخ الرئيس محمود عباس على هذه الصفقة وأعلنت منذ زمن طويل رفضها لكل السياسة التي تنتهجها إدارة ترامب ورفضت ولا زالت أي مقترحات لحل ينتقص من حقوق شعبنا الثابتة والمشروعة وفي مقدمتها اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين بموجب قرارات الشرعية الدولية.

اننا اليوم نأمل من الجميع ان يسعوا لانهاء هذا الانقسام المدمر لمشروعنا الوطني كي تتوحد جميع الفصائل والمستقلين من الشعب الفلسطيني، ونشكل لجنة عليا لإدارة انتفاضة سلمية عارمة في جميع أنحاء الوطن الفلسطيني كي نكسر هذا الجمود العالمي و نكون يدا واحدًة ضد مشروع ترامب الصهيوني ونضع حدًا لغطرسة هذا اليمين الاشكنازي... والله المستعان.