حوافز حرب الاغتيالات!!

بقلم: الدكتور محمد السعيد إدريس

«حرب الاغتيالات» ربما تكون أهم معالم الصراع في الأشهر القادمة بعد اغتيال قاسم سليماني وبهاء أبو العطا.

على الرغم من كل ردود الفعل واسعة المدى والمتناقضة، التي جرى التعبير عنها من دوائر سياسية وأمنية واستخباراتية كثيرة، خاصة الأمريكية والإسرائيلية منها؛ عقب نجاح عملية قاسم سليماني قائد «فيلق القدس»، التابع للحرس الثوري الإيراني، فإن أبرز تلك الردود كان يتعلق بالقلق من أن يؤدي هذا النجاح، ورد الفعل الإيراني «المنضبط» حتى الآن، إلى إطلاق «حرب اغتيالات» واسعة على امتداد المنطقة كلها. فالمخاوف التي فرضت نفسها؛ تحسباً لتفجر موجة جديدة من الاغتيالات المتبادلة، كانت تغذيها تصريحات إسرائيلية قبل «حادث سليماني»، وخاصة بعد نجاح إسرائيل في اغتيال قائد اللواء الشمالي لـ«الجهاد الإسلامي» في فلسطين بهاء أبو العطا بأمر من بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة، الذي لم يغفر له إطلاقه صاروخاً على مدينة أسدود أثناء إلقائه خطاباً انتخابياً ما أجبره على الهرب مذعوراً من بين مؤيديه.

فقد جرى الحديث في الكيان عن وجود هدفين مرجحين للاغتيال من جانب الأجهزة الإسرائيلية» أولهما، الجنرال قاسم سليماني باعتبار أنه هو من يقف خلف الصواريخ الأربعة التي جرى إطلاقها على هضبة الجولان المحتلة في إطار خططه؛ لفتح هذه الجبهة في الخاصرة الشمالية للكيان، وثانيهما، زياد النخالة الأمين العام لـ«حركة الجهاد الإسلامىي» في فلسطين الذي أعطى التعليمات بالرد الصاروخي من القطاع؛ انتقاماً لاغتيال أبو العطا، وهو الرد الذي أصاب نصف الكيان بالشلل، ومنع أكثر من مليون تلميذ من الذهاب إلى مدارسهم.

الأجواء التي سادت الكيان عقب العمليتين؛ أي عملية اغتيال أبو العطا، والقصف الصاروخي المضاد الذي أطلقته «حركة الجهاد» باتجاه المناطق المحاذية لقطاع غزة، تكاد تشبه الأجواء الحالية الناتجة عن اغتيال قاسم سليماني ثم الرد الصاروخي الإيراني على قاعدتي «عين الأسد» في الأنبار، و«حرير» قرب أربيل؛ لذلك يكون السؤال مشروعاً حول ما إذا كان الردع المعنوي الذي أصاب الإسرائيليين عقب العملية الأولى يمكن أن يتكرر بعد العملية الثانية أم لا؟

ربما تكون الإجابة هي: «لا» لأسباب كثيرة؛ من أبرزها أن من قام باغتيال قاسم سليماني، هو الولايات المتحدة، أي أنها دفعت نفسها في «حرب الاغتيالات»، وهي من سيكون في الواجهة وليس «إسرائيل»، وأنه بات من الأسهل الآن دفع الولايات المتحدة لمواصلة ممارسة هذا النوع من الحرب، ومن ثم فتح كل الأبواب الموصدة أمام إسرائيل للقيام بالدور الأكبر فيها؛ للتخلص من كل من هم على قائمة الاغتيالات، ولعل هذا ما يفسر ردود الفعل الإسرائيلية على عملية اغتيال الأمريكيين لسليماني. ففي البداية كان الارتباك، ثم تلاه الحرص بـ«النأي بالنفس» عن هذه العملية، وتعليمات من نتنياهو لوزرائه «بعدم التطرق لا من قريب ولا من بعيد لعملية الاغتيال»، ولكن بعد الإفصاح الأمريكي عن تحمل المسؤولية والتباهي بنجاحها انطلق نتنياهو والإعلام الإسرائيلي؛ للاحتفاء بهذا الاغتيال لسببين؛ أولهما أن هذا الاغتيال خلّص «إسرائيل» من رجل يعد من ألد الأعداء، وثانيهما، أنه أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل للانخراط بشجاعة في هذه الحرب.

من هذه الأسباب أيضاً التقديرات الإسرائيلية بضعف رد الفعل الإيراني على اغتيال سليماني، وهو الرد الذي اقتصر على إطلاق صواريخ على القاعدتين الأمريكيتين في العراق. ومتابعة إسرائيل للرد الإيراني، وما تلاه من ورطة إيرانية غير محسوبة؛ نتجت عن اعتراف طهران بإسقاط الطائرة الأوكرانية بصاروخين ، وما سوف يترتب على هذه الورطة من تهدئة إيرانية مفروضة لأي تفكير في مواصلة الانتقام لسليماني؛ سيشجع الإسرائيليي» على تجديد الثقة في «سياسة الاغتيالات» و«التصفيات» لأبرز المعارضين والمناوئين الخطرين في المنطقة، وهي السياسة التي يسميها وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون ب«التصفية الممركزة»، والتي يرى أن الهدف منها «ليس معاقبة مخربين على ما قاموا به في الماضي، إنما لمنع عملياتهم في المستقبل».

أبرز مؤشرات الحماس الإسرائيلي لـ«تشريع حرب الاغتيالات» ما ألمح إليه اسرائيل كاتس، وزير الخارجية الإسرائيلي، من إمكانية تصفية حسن نصر الله الأمين العام ل«حزب الله» اللبناني، إذا ما استمر في تهديد إسرائيل.

هذه التلميحات وما يقف خلفها من استنتاجات يرونها داخل الاحتلال محفزة لتصعيد «حرب الاغتيالات»، ربما تدفع الطرف الآخر، إلى التورط في هذه الحرب بعد استيعاب ما يمكن اعتباره «زوبعة الطائرة الأوكرانية»، خاصة على المحور الإيراني- العراقي، وكرد فعل للعنف الأمريكي على قرار البرلمان العراقي بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي.

استقبال الجنرال إسماعيل قآني القائد الجديد «لفيلق القدس» لستة من قادة فصائل «الحشد الشعبي» العراقي، واستعداده لتقديم كل ما يطلبون من مساعدات عسكرية- لوجستية لاستخدامها في الحرب القادمة؛ لطرد القوات الأمريكية من 18 قاعدة في العراق؛ هو مؤشر آخر مضاد يؤكد أن «حرب الاغتيالات» ربما تكون أهم معالم الصراع في الأشهر القادمة.

بالاتفاق مع "الخليج"