الحروب السيبرانية.. ضربات متتالية

الدكتور: محمد سالم العتوم

على مدار العصور سعت الدول العظمى للسيطرة والهيمنة على دول العالم بشتى الوسائل والسبل. حيث إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تعتبر مجالاً مفتوحاً لا أحد يستطيع التحكم بجوانبه الاقتصادية والسياسية والاعلامية والاجتماعية وحتى العسكرية منها، حيث جاءت الثورة التكنولوجية الرابعة لتأطير مفاهيم الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء والتي تعتبر من مخرجات الثورة ونتاجها.



يعتبر الفضاء الإلكتروني (السيبراني) المجال الذي يقوم عليه مفهوم الأمن السيبراني فالبنية التحتية للشبكات والمعدات والتطبيقات والبرامج وحتى المستخدمين هي المكونات الأساس التي يُعنى بها الأمن السيبراني من خلال حمايته ومنع الوصول إليه بدون إذن مسبق. لذلك فإن الهيمنة السيبرانية هي من سيرسم ملامح الحروب في القرن القادم مما يستلزم علينا طرح المفاهيم وتنوير المجتمع بهذا المفهوم ومتغيراته وحدودة.



يقصد بالحروب السيبرانية (cyber warfare) هي العمليات التي تتم في الفضاء السيبراني - الثغرات البرمجية والبرامج الخبيثة - باستخدم الوسائل التكنولوجية الحديثة لاختراق وتوجيه الضربات الإلكترونية لجهة ما او دولة مستهدفة، والتي لا تركز على القتل بشكل مباشر ولكنها ضربات تشل من الحركة التكنولوجية للدولة، فعندما تتعرض الحواسيب أو الشبكات التابعة لدولة ما لهجوم أو اختراق أو إعاقة، قد يتعرض المدنيّون لخطر الحرمان من الاحتياجات الأساسية مثل مياه الشرب والرعاية الطبية والكهرباء وغيرها من الخدمات التي تعتمد على التكنولوجيا.



لقد وجدت الحرب السيبرانية كأداة من أدوات الجيل الخامس للحروب، فإن الهدف من وجود وزارة الدفاع في اي بلد ما يكمن في صد الهجمات البرية والبحرية والجوية عن اراضيها فان الحروب السيبرانية تستدعي أيضا التصدي لاي اختراق يتم من قبل الفرق السيبرانية المعادية وما عملته الدول العظمى في محاربة الإرهاب السيبراني من خلال اختراق مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم داعش والذي أسهم في التعتيم على القنوات المذاعة النشطة في تجنيد الارهابيين المحتملين. لذا اصبح لزاما زيادة صلاحيات الجيوش السيبرانية وتدريبها وتاهيلها لمحاربة التطرف السيبراني واشكالة.



ان شكل الحرب السيبرانية في هذه الايام تطور واصبح موجودا فما حدث بين الولايات المتحدة الاميركية وجمهورية ايران الاسلامية في الاسبوع المنصرم قد شكل مواجهة مباشرة بين دولتين تنشطان بشكل كبير في الامن السيبراني ووجود الجيوش السيبرانية والفرق المستعدة لبدء هجمات سيبرانية قد تكون انطلاقة لحرب عالمية ثالثة في المنطقة. وهذا ايضا غيض من فيض فما يحصل في الفضاء السيبراني اللامحدود والذي اصبحت الدول جميعها جزءاً لا يتجزا من هذه المعركة فقد حدث في السنوات الماضية الكثير من اشكال هذه الحروب كاختراق شبكة الكهرباء في احد البلدان وتعطيلها وايضا الولوج الى شبكة الصحة لدولة اخرى وتعطيل النظام الصحي فيها وغيرها الكثير من اختراقات عطلت الخدمات المقدمة للافراد هنا وهناك.



يكمن الخطر الاكبر في الحروب السيبرانية التي قد تتعرض لها الدول من جيوش وفرق سيبرانية مجهولة المصدر لا يعرف البعد من هذه الهجمات هل هي اقتصادية ام سياسية ام اجتماعية ام ثقافية، وقد يتم الاختراق او الهجوم دون ان تعلم الدولة بحصول هذا الهجوم لذلك من المهم ان تستثمر الدول في البنية التحتية وفي القطاع المالي والخدمات الحكومية، لكن تحت شرط التشديد على تطوير الأمن السيبراني الفعال، فعلى المستوى الاقليمي يجب على القوات المسلحة لكل دولة عربية ان تطور قدراتها في الحرب السيبرانية لتحسين الدفاعات ضد الارهاب الالكتروني والهجمات السيبرانية، خاصة وان الشرق الاوسط يعد هدفا مرغوبا لكثير من محترفي الجريمة السيبرانية للكسب المالي نتيجة ضعف الوعي لكثير من مستخدمي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ونقص القدرة الفنية والتشريعات المناسبة، التي تقنن استخدام هذه التكنولوجيا.



وفي الختام فان الأمن السيبراتي ليس مجرد قضية قومية فقط بل قضية تخص الأفراد أيضا ولكي يتحسن الأمن السيبراني القومي فان الخطوة الأولى تكمن بتشجيع الأفراد لتحمل المسؤولية عن أمانهم الشخصي على الانترنت، وهذه المسألة يمكن بناؤها من خلال انشاء برامج تدريب للمواطنين لمساعدتهم في فهم الانقسام الرقمي وتوعيتهم من خلال تدريس أمن المعلومات ضمن مناهج وزارة التربية والتعليم.

والخطوة الثانية تعنى بها الحكومات من خلال استثمارها بإنشاء نقاط الوصول للانترنت والتي تسمح بالدخول واستخدام الانترنت مع ضمان الحماية من الحرب او ال?جمات السيبرانية. أما الخطوة الثالثة فعلى المجتمع ان يعي ان التعليم والوعي مهمان لمواجهة التهديد السيبراني لذلك هناك حاجة لبناء القدرات وتعليم المواطنين في هذا الشأن.



*أستاذ مساعد في أمن المعلومات والشبكات - عن "الرأي" الأردنية