التعددية الفكرية ... واحترام قناعات الآخرين

بقلم: سهيل كيوان

لم يعد لدينا مكان للنقاشات الفلسفية إلا في الجامعات ولدى مختصي وطلاب الموضوع، أو في حلقات نادرة جدًا ضيقة وخجولة.

أما أكثر الحديث عما وراء الطبيعة، فنجده في بيوت العزاء، حيث يجتمع عدد كبير من الناس، مضطرين على السماع والإنصات أو الردّ بأدب ودون هيجان، احترامًا للمناسبة والمكان، إلا أن ما يدور عادة هو مسائل متفقٌ عليها بالإجماع والتأييد، ومنقولة عبر الأجيال لا إبداع فيها ولا اجتهاد.

كذلك هنالك حيزٌ كبيرٌ للحديث عن الأخلاق المتدهورة لدى الجيل الصاعد، وهذا عليه شبه إجماع، أعترض عليه شخصيًا، لأن لكل زمن معاييره الأخلاقية، فمن سبقونا أيضًا وصفوا أخلاقنا بأنها تدهورت، ولا يمكن أن تطلب من فتيان وفتيات يعملون ويتعلمون بعيدًا عن بيوتهم وعن مجتمعهم في المصانع والمكاتب والجامعات في البلاد وخارجها نفس المعايير الأخلاقية والاجتماعية لجيل ولّى لم يكن يسافر أو يختلط بالآخرين من شعوب وثقافات سوى محيطه القريب.

أكثر الحديث في هذه المجالس يدور عن العمل الصالح والإيمان والعمل به وطرق تأكيده، أو عن الإلحاد والكفر، وهذا قد يصل رذاذه إلى طوائف وديانات ومذاهب أخرى هي جزء من مجتمعنا أو عبر العالم، إضافة إلى الأحداث التاريخية الدينية بشكل خاص، وشخصياتها المعصومة التي فوق النقد دائمًا، ومن ينتقد أو يناقش موقفا خارج النص المنقول والمتفق عليه يتورط بعدد كبير من الإجابات الجاهزة التي لا يفكر فيها ناقلوها ولو بالحد الأدنى من المنطق، ويرون في مناقشتها أمرًا خطيرًا وانحرافا عن جادة الصواب.

الصمت سواء بالقبول أو الرفض هو عادة سيد الموقف، فمن لديه شكوك بما يسمع يصمت عادة، لأنه يعرف أن ردود الفعل ستكون جارفة في غير صالحه، وسوف يتشاطر عليه الجاهل والمتعلم والمثقف والأمي والمحترم والهامل على حد سواء.

رغم هذا القمع غير المباشر للفكر أو لحرية التعبير، فلا تستهتروا بالحديث بقناعاتكم في كل مجلس، لا تصمتوا، وخصوصًا عندما تسمعون تحريضًا على الآخر لمجرد اختلافه الديني أو المذهبي أو القومي، حتى ولو كان بوذيًا أو هندوسيًا أو كنفوشيًا أو لا دينيًا، فالمحاسبة بيننا نحن البشر يجب ان تكون مرتبطة بالموقف والمعاملة بغض النظر عن الخلفية العرقية أو الدينية أو الإيمانية لصاحب الموقف، أما ما يتعلق بالكفر أو الإيمان والإلحاد وغيرها من التقييمات، فحسابها عند الله وليس عند البشر، لسبب بسيط، هو أن الله اختار هذه التعددية للناس، هو الذي خلق البوذي والهندوسي والكونفوشي والمسلم والمسيحي واليهودي والأزيدي وغيرهم.

املأوا "فيس بوك" و"يوتيوب" و"واتس اب" والمجالس العامة والخاصة بالنُصح الذي يقرب القلوب بين أبناء البشر جميعًا، دون اقتصارها على دين أو قوم أو ثقافة معينة.

واجبنا كأهالٍ ومثقفين، أن نثقف الأجيال الصاعدة على تفهم الآخر، فمثلما ولدتَ أنت لأسرة ما، لقنتك دينك وثقافتك الاجتماعية، هناك من هم مختلفون ولقّنهم ذووهم دينًا آخر وقيما وثقافة أخرى، غير هذه التي تقدسّها أنت، والآخر مؤمن بما لقنوه به، وممنوع أن تسخر أو أن تحرّض، فالآخر أيضًا يرى في ثقافتك أو دينك ثغرات وأمورًا غريبة وغير منطقية بالنسبة لثقافته ومعاييره.

لو أخذنا مثالًا بسيطًا من عالم الفن، فجيلنا يعتبر أغنية أم كلثوم لمدة ساعة، قمة في الروعة والفن والسلطنة، وهذا الطول بات غير مقبول لدى الأجيال الصاعدة، ومثيرًا للضحك لدى الياباني أو الأوروبي أو الأمريكي الذي لن يصدق أن أغنية واحدة قد تمتد لمدة ساعة.

قد يتغير الإنسان مع الزمن، ويختار فكرًا أو دينًا وقناعات أخرى، ولكن هذا قليل ونادر جدًا، فالأغلبية الساحقة تبقى على ما ولدت عليه ولُقنت به مع حليب الرضاعة، وعلى الجميع تقبل الجميع، كي نعيش في مجتمعات وفي عالم أكثر تسامحًا وتفهّما، وخصوصًا أنه بات متواصلا ومرتبطًا بشكل أو بآخر في بعضه بعضًا.

فلا تكِل للمختلف أوصافًا منكرة، فالله هو الذي خلق هؤلاء باختلافهم وتعدديتهم، "ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" (هود:118)، إذًا فإن الله هو الذي أراد التعددية للبشر، ولهذا فإن قبول التعددية من الإيمان الحقيقي والعميق، أما من ينكرها ويحاول فرض قناعات واحدة أو رؤية واحدة فهو بهذا يرفض ويعترض على قرار وأمر إلهي وسوف يفشل.

علينا أن نسلّم بواقع التعددية وأن نبحث عن الضوء والخير في الآخرين ولكن فلنبدأ بأنفسنا، ولنعامل الناس كما نحب أن يعاملونا، ولنحترمهم وقناعاتهم مثلما نحبُّ أن يحترمونا وقناعاتنا، كي يغدو عالمنا أجمل مما هو في الواقع، وأقل خطورة.

عن "عرب ٤٨"