هندوراس تعلن نقل سفارتها إلى القدس المحتلة مستغلة ضعف الموقف العربي والدولي

بقلم: المحامي علي ابوهلال*

في تطور جديد مخالف لوضع ومكانة القدس المحتلة في القانون الدولي، وبعد اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 كانون الأول/ديسمبر 2017 ونقل سفارة بلاده إليها من تل أبيب في شهر مايو/ أيار 2018، أعلن رئيس هندوراس خوان أورلاندو هرنانديز يوم الجمعة الماضي 17/1/2020 أنّ حكومته ستنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس بمجرد أن تفتح إسرائيل سفارة في تيغوسيغالبا، وقال "نحن فقط ننتظر قيام دولة إسرائيل بفتح مكتبها (الدبلوماسي) في تيغوسيغالبا، وسننقل السفارة إلى القدس" وجاءت تصريحات رئيس هندوراس في بويرتو كورتيس، على بعد 200 كلم شمالي تيغوسيغالبا، خلال حفل استلام سفينة حربية اشترتها هندوراس من إسرائيل.

وأكد مسؤول إسرائيلي في وقت سابق لإعلان رئيس هندوراس، إنه من المتوقع أن تنقل هندوراس سفارتها من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة، وذلك في مقابل افتتاح سفارة إسرائيلية، في عاصمتها تيغوسيغالبا؛ وذلك بعد أن اعترفت حكومة هندوراس نهاية آب/ أغسطس 2018، بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ويذكر أن وزارة الخارجية الإسرائيلية قد خصصت بالفعل ميزانية لإعادة فتح سفارة في تيغوسيغالبا، علما بأن إسرائيل كانت قد أغلقت سفارتها في عاصمة هندوراس عام 1995 بسبب تقليص في ميزانية وزارة الخارجية.

وكانت إسرائيل قد أجرت، في السنة الماضية، اتصالات دبلوماسية لإقناع هندوراس بنقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وفي حينه، اشترط هرنانديز فتح سفارة إسرائيلية في عاصمة بلاده، تيغوسيغاليا، واستيراد إسرائيل البن من بلاده، كما اشترط أن تقوم الولايات المتحدة بإلغاء التقليص في التحويلات المالية لهندوراس بذريعة أنها تتحفظ من الحد من الهجرة إلى الولايات المتحدة، وكانت هندوراس قد قررت الاكتفاء بفتح مكتب تجارة دبلوماسي كامتداد لسفارتها في تل أبيب في أيلول/سبتمبر 2019، كما فعلت كل من هنغاريا والتشيك وأستراليا.

ولا تزال غواتيمالا الدولة الوحيدة إلى جانب الولايات المتحدة التي تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس في 16 أيار/ مايو 2018 في خطوة مخالفة للقانون الدولي.

ومن الجدير بالذكر أن هندوراس وغواتيمالا كانتا من الدول التي أيدت قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل في ديسمبر/كانون أول عام 2017 حيث صوتت 9 دول من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد قرار صدر في الجمعية العامة للأم المتحدة يدعو الولايات المتحدة لسحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، وكانت الدول السبع الأخرى هي غواتيمالا وهندوراس وجزر مارشال وميكرونيزيا وناورو وبالاو وتوغو.

ربما أن كل من غواتيمالا وهندوراس ليست من الدول الكبيرة والمؤثرة في العالم، ولا وزن ولا تأثير لهما في الصراع الجاري على الصعيد العالمي والإقليمي، وعلى وجه الخصوص في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل أن المتتبع لمواقفهما يلاحظ أنهما من الدول التي تؤيد المواقف الأمريكية والإسرائيلية باستمرار، بسبب حاجة هاتين الدولتين للدعم الأمريكي والإسرائيلي على كافة الأصعدة الاقتصادية والحربية والفنية وغيرها، وهذا ما يفسر اشتراط هندوراس نقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلة بفتح سفارة إسرائيلية في تيغوسيغاليا عاصمة هندوراس، واستيراد البن منها لإسرائيل، كما تشترط أن تقوم الولايات المتحدة بإلغاء التقليص في التحويلات المالية لهندوراس بذريعة أنها تتحفظ من الحد من الهجرة إلى الولايات المتحدة.

ويذكر ان هندوراس دولة فقيرة تعدادها أقل من عشرة ملايين نسمة، وقد تطوع نتنياهو لمساعدتها لدى واشنطن وطلب من وزير الخارجية الأميركي أن يستمع إلى ممثلي هذه الدولة الحليفة، بعد أن هدد الرئيس ترمب مراراً بقطع المساعدات عن هندوراس بسبب قوافل المهاجرين التي تعبر المكسيك وتتجه صوب الحدود الأميركية.

كما أن ضعف الموقف العربي والدولي الضاغط على هاتين الدولتين وعدم قدرته على التأثير عليهما، سواء من الناحية السياسية والاقتصادية جعلهما تحت تأثير الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

وتجلى الموقف العربي بإدانة جامعة الدول العربية افتتاح دولة هندوراس مكتبا دبلوماسيا في مدينة القدس المحتلة، باعتباره يشكل انتهاكا للقانون الدولي، حيث وجه أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية رسالة خطية لرئيس هندوراس خوان أورلاندو هيرنانديس، وذلك عشية زيارته إلى إسرائيل في شهر أغسطس/آب 2019 التي كان يتوقع أن يُعلن خلالها افتتاح مكتب دبلوماسي لبلاده في مدينة القدس المحتلة، وطالب الأمين العام للجامعة في رسالته رئيس هندوراس بمراجعة موقف بلاده من هذه المسألة الخطيرة التي تنطوي على أهمية عُظمى ليس فقط للعالم العربي وإنما للمسلمين في العالم، واكتفت جامعة الدول العربية بتنسيق المواقف العربية الجماعية حيال عدد محدود من الدول قامت بنقل سفاراتها إلى القدس أو افتتحت مكاتب تجارية هناك.

وعلى الرغم من ضعف الموقف العربي هذا تجاه هذه الدول إلاً أن نجحت في بعض الحالات في الضغط على الدول التي أخذت قرارا بنقل سفاراتها إلى القدس، وذلك بتراجع حكومة "باراجواي" في سبتمبر 2018 عن قرار كانت قد اتخذته حكومة سابقة بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس.

إن مواجهة موقف هندوراس وغيرها من الدول التي تعلن عن نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة يتطلب موقفا عربيا ودوليا حازما جوهره مواصلة الضغط عليها وفرض عقوبات على هذه الدول لمنعها من نقل سفاراتها إلى القدس المحتلة، باعتباره يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية، ولقرارات القمم العربية والإسلامية التي تعتبر القدس أرضا فلسطينية محتلة، وباعتبار قرار الرئيس الأمريكي إعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، هو قرار باطل وغير شرعي.

*محام ومحاضر جامعي في القانون الدولي.

الادارة