"صدقي المقت" المناضل العابر للطوائف والأحزاب

بقلم: الأسير جمعة التايه

إنه المناضل الكبير من الجولان المحتل- مجدل شمس- مكث في سجون الاحتلال ٢٧ عاما، وأُفرج عنه، ولم يلبث الا أن أعيد اعتقاله بعد عامين ونصف من الحرية، وحُكم عليه ١١ عاما بتهمة رصد الانتهاكات الإسرائيلية في الجولان وسوريا.

صدقي المقت، الصادق في مواقفه وآرائه، والذي وقف صامداً في السجن، محافظاً على مبادئه وأفكاره، شامخاً رغم الاحتلال وانتهاكاته.

يضع فلسطين وشعبه في أعماق قلبه، تسكنه فلسطين رغم أنه لا يسكنها، تسيطر على قلبه وروحه وعقله، يحملها قضية أينما حل وحيثما راح.

صدقي المقت من الجولان، ينتمي للطائفة الدرزية، لكنه في تفكيره ورسالته عابر للطوائف والأحزاب والمناطق، كان ثورياً قومياً لا يأبه لحالة الضعف والترهل العربي من حوله، وظل متفائلاً رغم التسارع والهرولة نحو التطبيع مع الاحتلال الصهيوني.

من أين له هذه المعنويات؟؟! وهذه المواقف الجذرية التي كسرت القيد وذلت أنف السجان.

وقف في سجن النقب في أحد الأقسام مخاطباً الأسرى في كلمة ينعي فيها الشهيد سامي أبو دياك، يخرج فيها من السجن، وينطلق نحو أحرار العالم، ويقول: لك المجد يا أبو دياك يا شهيد فلسطين، لك الكرامة، لك الخلود.. رحلت وكان رحيلك شاهداً على تقصيرنا وتقاعسنا وانهزامنا.

ويدوي صوته في الأفق فيقول: ايران ليست عدونا، بل هي حليفنا، وعدونا المركزي هي أمريكا والكيان الصهيوني... فلسطين قبلتنا وبوصلتنا وبوصلة لا تشير الى القدس مشبوهة.

ويحمل بصوته الهادر على أولئك الذين تآمروا على سوريا والعراق واليمن وفلسطين، وعلى أولئك الذين يدورون في فلك أمريكا.

صدقي المقت الفلسطيني، العربي، الانسان، قليلون هم الذين يجمعون هذه المفردات.

انه مناضل من الزمن الجميل، زمن الفدائيين العرب، الذين التقينا بهم في الثمانينات والتسعينات في السجون من سوريا ولبنان والعراق والأردن ومصر والسودان والجزائر.

انها فلسطين، الأرض المقدسة، الأعز والأجمل عند كل الشرفاء والأحرار، والتي تكسرت على صخرة مقاومتها كل أدوات الاحتلال والبطش، وهي الكلمة الجامعة، " أم البدايات وأم النهايات" كما وصفها محمود درويش.

قبل حوالي شهر، حضر الجنرال الروسي، وأحد رجال المخابرات الإسرائيلية، واستدعوا صدقي كي يتم الافراج عنه بشرط الابعاد إلى سوريا لمدة خمس سنوات، ولكنه رفض التوقيع والافراج المشروط.

ما أصعبه من امتحان!! تُفتح له أبواب السجن ويرفض!! انها الإرادة المناضلة.. إرادة الرجال والأحرار الذين لا يساومون على مبادئهم.

هل خالف العقل والمنطق في قراره هذا؟؟ لقد انتقده بعض الأسرى، ولكنه كان يقول لهم أن المسألة مؤقتة، أياماً معدودة، وأتنسم عبير الحرية دون قيد أو شرط.

ويعود إلى مجدل شمس، إلى الجولان المحتل، ويعلن في أول تصريح له أنه سيواصل النضال والكفاح حتى تحرير الجولان.. فلسطين قلب الأمة.. والأمة بدونها ميتة.

إنها فلسطين.. هكذا تصنع بعشاقها النابضة دوماً بالحياة والمنتفضة في وجه المحتل.

أخيراً.. انها كلمة وفاء لمناضل كبير، عشنا معه في السجون، واقتسمنا المعاناة والقيد، وهو يستحق أكثر من ذلك.

فألف الحمد لله على سلامتك يا صديق ورفيق قيدنا.. وما هو الانسان إلا موقف ورسالة، وقضية يحملها بين أضلعه ويدافع عنها حتى آخر نفس.

لك الاحترام والحب .. ودمت ذخراً لشعبك ووطنك.