المشكلة هي في ترامب نفسه!

بقلم: الدكتور صبحي غندور

بدأ الرئيس ترامب عهده منذ ثلاث سنوات بانتقاد شديد لمكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، وأقال مديره بسبب التحقيقات حول الدور الروسي في انتخابات الرئاسة بالعام 2016، ثم أقال وزير العدل جيف سيشن، لأن الوزير لم يضغط لوقف التحقيقات.

وشهد عهد ترامب حتى الآن أكثر من ستين استقالة أو إقالة لأشخاص كانوا يعملون في إدارته أو داخل البيت الأبيض، كان من بينهم وزير الخارجية ريكس تيلرسون، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي أوضح في رسالة استقالته مدى خلافه مع سياسات ترامب الخارجية، ثم مستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون.

وقد اختلف ترامب أيضاً مع وكالة المخابرات الأمريكية في تقييمها لقضايا دولية عدة، كما انتقد البنك المركزي مرات عدة بسبب رفع سعر الفائدة.

وربما من المهم أيضاً تذكر انتقادات ترامب لوزارة الخارجية حينما تولى الرئاسة، مع دعوته لتقليص حجمها، ثم لخلافه مع عددٍ من القضاة حول قراره بحظر السفر لأمريكا من دول إسلامية عدة، ولحملاته المستمرة ضد الإعلام الأمريكي متهماً إياه بأنه عدو الشعب! بل حتى بعض أركان الحزب الجمهوري الذي يمثله في الحكم لم يسلموا من انتقادات ترامب وهجومه على كل من لا يوافق على أجندته.

إذاً، مشاكل ترامب كانت مع معظم المؤسسات الفاعلة في الحياة الأمريكية، وليس فقط مع الحزب الديمقراطي، وهذا يؤكد أن المشكلة هي في ترامب نفسه وليس في الحزب الديمقراطي المنافس له الآن أو في «الدولة العميقة»، التي يشير إليها ترامب في تصريحاته.

ولا نعلم بعد ماذا يخبئ ترامب من مفاجآت في سياسته الخارجية خلال الأشهر القادمة قبل موعد الانتخابات في نوفمبر، حيث هو بحاجة إلى حدثٍ خارجي كبير يُهمش ما يحصل داخل الولايات المتحدة من محاولات الديمقراطيين لعزله، بعدما نجحوا في السيطرة على مجلس النواب، وأقروا مشروع قانون عزل الرئيس عن منصبه.

لقد فشلت إدارة ترامب في تعديل قانون الرعاية الصحية الذي أقرته إدارة أوباما، وفشلت حتى الآن في وضع قانونٍ للهجرة وفي بتِ موضوع المهاجرين غير الشرعيين المولودين في أمريكا، لكن إدارة ترامب نجحت في وضع قانونٍ جديد للضرائب وصفه الكثير من المعلقين بأنه جاء لصالح الشركات الكبرى والأثرياء وليس لصالح الطبقة الوسطى والفقراء.

وهذا الفشل أو التعثر لأجندة ترامب على المستوى الداخلي رافقه التحقيقات بشأن دور روسيا في الانتخابات، ثم تحقيقات مجلس النواب عن ضغوطاته على أوكرانيا بشأن أعمال ابن جو بايدن المرشح الديمقراطي المنافس له في الانتخابات المقبلة.

الحال هو نفسه على مستوى السياسة الخارجية الأمريكية، حيث أخرج ترامب الولايات المتحدة من اتفاقيات دولية وهدد بالخروج من المزيد منها، وهي اتفاقيات تحقق مصالح قومية أمريكية مع جيرانها الكنديين والمكسيكيين ومع الحلفاء الأوروبيين ودول أخرى في آسيا، فأين «أمريكا أولاً» في تزايد مشاعر الغضب لدى شعوب دول العالم تجاه السياسة الأمريكية ورمزها في «البيت الأبيض»؟! وأين كانت «المصالح القومية الأمريكية» في قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبنقل السفارة الأمريكية إليها، وهو قرار يتناقض مع قرارات دولية صادرة عن «مجلس الأمن» ومع سياسة أمريكية سار عليها كل من سبقه من رؤساء أمريكيين؟!

إن مصطلح «الدولة العميقة» الذي انتشر استخدامه مؤخراً للتعبير عن دور «مراكز القوى» في بلدان عدة، هو ليس بالضرورة توصيفاً لحال سيئ في الولايات المتحدة الأمريكية، فالدولة العميقة في أمريكا هي الأجهزة الأمنية المختلفة، وهي مؤسسة وزارة الدفاع، وهي الخبراء في وزارة الخارجية، وفي البنك المركزي وفي السلك القضائي، إضافة طبعاً إلى بعض معاهد الفكر والأبحاث، وقوى الضغط داخل مجلسيْ الكونغرس، ولا تخلو فترة أي رئيس أمريكي من مواجهة، ولو محدودة، مع جزء من قوى «الدولة العميقة الأمريكية»، لكن ما يحدث مع الرئيس الحالي دونالد ترامب تجاوز الحدود كلها، وشمل معظم مؤسسات «الدولة العميقة»، وهو أمر يحدث للمرة الأولى في التاريخ المعاصر للولايات المتحدة.

فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية عام 2016 لم يكن العامل الأساس فيه شخصه، ولا طبعاً مؤهلاته أو خبراته في الحكم والسياسة، بل كان العامل الأساس هو الصراع الدفين الحاصل في المجتمع الأمريكي بين المتمسكين بأمريكا الأصولية القديمة، التي قامت على الرجل الأوروبي الأبيض البروتستانتي والعنصري أحياناً، وبين أمريكا الحديثة «التقدمية»، التي أصبح أكثر من ثلث عدد سكانها من المهاجرين من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والتي فيها التسامح الديني والثقافي والاجتماعي، والتي أنهت العبودية وأقرت بالمساواة بين الأمريكيين بغض النظر عن اللون والدين والعرق والجنس، وستكون الانتخابات الأمريكية القادمة في نوفمبر حاسمة ومهمة جداً لتقرير مستقبل أمريكا السياسي والأمني والاجتماعي، فالمجتمع الأمريكي يشهد الآن درجات عالية من الانقسام والتحزب، ولن يكون من السهل إعادة وحدة الأمريكيين أو الحفاظ على تنوعهم الثقافي والإثني في حال جرى تجديد انتخاب ترامب لولاية ثانية.

مؤسس ورئيس مركز الحوار العربي - واشنطن/ عن "البيان" الإماراتية