شياطين نهاريا وبغداد..!

بقلم: سهيل كيوان

هناك من عمل طويلا وبمنهجية على شيطنة العربي لنزع الصفة الإنسانية عنه، وذلك كي يمنح لممارساته العنصرية شرعية ومبرّرا، وذلك بأنها تمارس ضد أناس ليسوا على مستوى البشر، فلا يستحقون المساواة في التعامل أو في الحقوق، ويفترض أن يمرَّ اغتصاب حقوقهم بدون تأنيب ضمير، لأنهم هم أنفسهم مجرمون وقساة بحق بعضهم البعض.

على خلفية هذا الفكر العنصري ظهر لمتبني هذا الفكر أن ما قام به جهاد وسامر من المزرعة وبعض الشبان والرجال العرب من الشمال بمساعدة وإنقاذ متورطين بمياه السيول في نهاريا وكأنه عمل غير طبيعي، بالذات لأنه أتى من جهة غير متوقعة، صدر عن مَن يُفترض في نظرهم أن يفرح للخراب ولضائقة غيره، عن أناس لا يُتوقّعُ منهم سوى الأعمال الشريرة، لهذا السبب بالذات كانت ردود الفعل واسعة، وكأنه الغول أو الشيطان وقد ظهر طيّبًا.

لا أشك بأن كل عربي شعر بالفخر والغبطة لما قام به هؤلاء الرجال العرب في نهاريا، وهو شعور طبيعي جدًا، وخصوصًا عندما يأتي الاعتراف بفضلهم من جهة معرّضةٍ أربعًا وعشرين ساعة في اليوم للتحريض على "الشيطان العربي"، الذي ظهر فجأة معطاءً وشجاعًا وكريمًا ومُضَحِّيا.

لا شك أنه عمل شهمٌ ورجولي وله تقديره الكبير، ولكن ليس لأنه عمل عرب تجاه يهود، بل لأنه عمل إنساني قام فيه أناس شرفاء وأصحاب شهامة تجاه أناسٍ في ضائقة.

جميعنا نعرف أنها ليست حالة استثنائية بين العرب واليهود في الحياة اليومية، ولو أردنا الحديث عن مساعدات قام بها عرب إلى يهود أو يهود إلى عرب لما انتهينا، مثل مساعدة سيارة تعطلت في الطريق، أو علقت في الرمال على شاطئ البحر، أو إعادة مفقودات لأصحابها، أو إنقاذ شخص من خطر ما، أو إنقاذ شخص من بين زعران حاولوا الاعتداء عليه، الحقيقة أن حوادث كهذه لا تحصى لكثرتها، وهذا طبيعي جدًا بين ملايين من البشر الذين يعملون ويدرسون ويتسوّقون ويستجمون ويلتقون في الأماكن ذاتها، بغض النظر عن الوضع السياسي العام المتوتر والمعقّد منذ عقود، والذي يؤدي بطبيعة الحال إلى توتّر وشحناءَ وبغضاءَ وعداءٍ وأحقادٍ بين الطرفين في هبوط وصعود، وهذا سوف يستمر ما لم تجد القضية الأساسية حلا جذريًا ينهي الصراع.

نحن كعرب نشعر بالظلم مرتين، مرة بالظلم السياسي العام الذي وقع منذ النكبة حتى يومنا، ومرة أخرى جراء نزع إنسانيتنا وتحويلنا من ضحايا إلى معتدين وشيطنتنا على يد ساسة متمرّسين مدعومين من قوى عظمى اقتصاديًا وعسكريًا وإعلاميًا.

هذه النظرة المشوِّهة للعربي التي عمل على بلورتها سياسيون وإعلاميون على مدى عقود كثيرة تبدو عادية في سياق صراع قومي شرسٍ، ولكن المشكلة أن هناك عربًا يحسبون أنفسهم على القوى الوطنية والفكر التقدمي وقوى التنوير لا يخجلون من التصريح بأن العرب لا يستحقون الديمقراطية ولا الحرية التي يطالبون بها، سواء في سورية أو لبنان أو العراق، وأنه لا يليق بالعرب سوى الدكتاتوريات، ويجب الدعس على رؤوسهم، ومن هذا المنطلق فهم يؤيدون قمع بل دهس ومعس ودوس الثورات العربية وحتى الانتفاضة الإيرانية، لأن العرب جَرَب ولا يستحقون الحرّية، بل أن الحرية في مفهومهم هي بتثبيت الدكتاتوريات بأصنافها المتعددة، تحت عباءة العلمانية التقدمية تارة أو الدينية المتخلفة لا فرق.

وهذه حالة نفسية مريضة لتبرير مواقف متخاذلة ومخيّبة تجاه الشعوب المقهورة، ولتبرير أفعال الدكتاتوريات الحقيرة، بحجة الدفاع عن النفس في مواجهة الإمبريالية ومؤامراتها.

من يدّعون أن شعوبًا عمرها أكثر من خمسة آلاف عام، وقدمت حروف الهجاء الأولى للبشرية لا تستحق الديمقراطية، لا يختلفون في تحريضهم عن أولئك الذين شيطنوا الإنسان العربي على مدار عقود، وأكلوا وسرقوا ونهبوا حقوقه.

هناك من اتخذ من صناعة العنصرية والكراهية مهنة يكرّسها بين الأجيال، وهناك من يزرع الوهم بأن العرب متخلفون ولا تليق الديمقراطية لهم ولا حياة التعددية الحزبية، ولهذا يجب أن يظل الدكتاتور داعسًا عليهم، وهؤلاء لا يختلفون عن ذلك الذي سن قانون يهودية الدولة الذي يضع العرب في درجة أو اثنتين تحت اليهود، هؤلاء يضعون العرب بمرتبة أقل من الإنسان دون أن يشعروا بعمق الإهانة التي يوجهونها إلى ملايين العرب الذين ضحّوا بأرواحهم على طريق الحرّية.

العنصرية وسلب الحقوق القومية، لا تختلف في جوهرها عن الادعاء بأن العرب لا يستحقون الديمقراطية.

كلنا بشرٌ، ولكن هناك من لا يرضى بمساواة البشر، سواء لأسباب عنصرية عرقية، أو لأسباب فكرية حزبية ضيّقة جعلته يستنتج بأن الحرية والديمقراطية لا تليقان بالشعب العربي، بل ويجب قمعه والتصفيق لمن يقمعه إذا ما رفع رأسه. أخيرًا، تحية لجهاد وسامر وغيرهم ممن عملوا بإنسانيتهم وأصلهم، تحية لشعبنا الأصيل في كل مكان، وتحية لكل الشعوب العربية المكافحة لأجل الحريّة، بلا أي استثناء، حتى دحر العنصرية والاحتلال والدكتاتوريات بكل أشكالها وألوانها البذيئة.