ضم الأراضي الفلسطينية والاستيطان فيها جريمة حرب تستوجب المسؤولية الدولية

بقلم : المحامي علي ابوهلال*

في خطوة تصعيدية جديدة لتوسيع وشرعنة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أعلن وزير الدفاع الاسرائيلي نفتالي بينيت، ضم مناطق "ج" في الضفة الغربية المحتلة لإسرائيل، وقال بينيت في مؤتمر حول التوسع الاستيطاني يوم الأربعاء الموافق الثامن من شهر كانون الثاني الجاري: "أعلن رسمياً أن المنطقة (ج) هي لإسرائيل"، مشيرا إلى أن هدف إسرائيل خلال العشر سنوات القادمة، أن يسكن في الضفة الغربية مليون إسرائيلي، وأن "إسرائيل تخوض حرباً حقيقية على المنطقة (ج)".

وقال: "قبل نحو الشهر قلت بأن دولة إسرائيل ستقوم بكل ما هو ممكن لضمان أن هذه المناطق (المنطقة ج) ستكون جزءا من دولة إسرائيل".

ويأتي قرار بينيت، بعد تعهدات سابقة من قبل نتنياهو، بضم المناطق "ج" من الضفة الغربية لإسرائيل، حيث تُشكل المنطقة "ج" نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية وتخضع، بموجب الاتفاقات الانتقالية الفلسطينية-الإسرائيلية، للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

وتضم المنطقة «ج» الأغوار وجميع المستوطنات ومساحات أراضٍ واسعة وطرقاً خاصة بالمستوطنين تؤدي إلى القدس المحتلة المعزولة عن باقي الضفة الغربية.

وأكد بينيت أنه يسعى إلى زيادة عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية إلى مليون خلال عِقد واحد، مقارنة مع عددهم الحالي وهو 400 ألف مستوطن، وأشار إلى أنه يستهدف منح المستوطنين تراخيص لشراء أراضٍ في المنطقة بشكل شخصي، وربط البؤر الاستيطانية بشبكتي الكهرباء والمياه ومنع إخلاء مستوطنين من أراضٍ خاصة احتلوها، وتمثل هذه الخطوة تحولاً كبيرا في المكانة القانونية للأراضي المصنفة «ج» من مساحة الضفة الغربية التي تقع تحت السيطرة الإسرائيلية أمنياً وإدارياً.

ويذكر أن اتفاق أوسلو قد قسَم الضفة الغربية إلى 3 مناطق، المنطقة «أ» تتضمّن المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية وتقع تحت السيطرة الفلسطينية أمنياً وإدارياً، وتبلغ مساحتها 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية، في حين تقع مناطق «ب» تحت السيطرة الإدارية الفلسطينية، والسيطرة الأمنية لإسرائيل، وتبلغ مساحتها 21 في المائة من مساحة الضفة الغربية، وتُشكل المنطقة "ج" نحو 60 بالمئة وتضم المنطقة «ج» الأغوار وجميع المستوطنات ومساحات أراضٍ واسعة وطرقاً خاصة بالمستوطنين تؤدي إلى القدس المعزولة عن باقي الضفة الغربية.

ومن الجدير بالذكر أن شرعنة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد أقره الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 6 شباط/فبراير سنة 2017، حيث سنّ البرلمان الإسرائيليّ قانون شرعنة الاستيطان ( باسمه الرسميّ: قانون تنظيم الاستيطان في يهودا والسامرة - 2017)، والذي يهدف فعليًا إلى مصادرة أراضي الفلسطينيين الخاصّة التي بُنيت عليها مستوطنات في مناطق الضفّة الغربيّة، وتخصيصها للمستوطنين الإسرائيليين، وبذلك تم "شرعنة" هذه المستوطنات بالنسبة للقانون الإسرائيليّ المحليّ إثر هذا القانون.

يحظى التوجه الإسرائيلي لضم مناطق «ج» في الضفة بدعم أميركي صريح وواضح حيث كرر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في خطاب مسجل، في مؤتمر "منتدى كهيلت" حول الاستيطان، الذي عقد في القدس الغربية في الاسبوع الماضي مواقف الإدارة الأمريكية بأن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لا تنتهك القانون الدولي، وأكد السفير الامريكي في اسرائيل ديفيد فريدمان أن الضفة الغربية ستكون محور صفقة ترامب المقرر نشرها خلال الأشهر القليلة المقبلة ملمحا أن الإدارة الأميركية بصدد التحضير لإعلانات أخرى تتعلق بالضفة الغربية المحتلة، وعرض السفير فريدمان خلال مؤتمر صحفي مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مفهوما لم يسبق أن تحدث به أي سفير أمريكي آخر حيث اكد أن المرحلة التالية بالنسبة للإدارة الأمريكية، بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، وبسيادتها على مرتفعات الجولان السورية، هي الضفة الغربية، واعتبر أن اسرائيل استعادت في حرب العام 1967 الضفة الغربية من الأردن الذي احتل الضفة لمدة 19 عاما فقط.

وتأتي هذه الحملة الإسرائيلية المسعورة لتوسيع وشرعنة الاستيطان وضم مناطق «ج» في الضفة الغربية المدعومة من الإدارة الأمريكية، على الرغم من قرار المحكمة الجنائية الدولية الإعلان عن نيتها التحقيق في جرائم الحرب التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يؤكد على عدم اكتراث إسرائيل "السلطة القائمة بالاحتلال" بموقف المحكمة الجنائية الدولية، بل ويؤكد أيضاً إمعانها في الاستمرار بارتكاب المزيد من جرائم الحرب باعتبار أن التوسع الاستيطاني ومصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية وتوطين المستوطنين اليهود فيها هو أحد أبرز هذه الجرائم كما سنوضح ذلك لاحقاً.

التوسع الاستيطاني وضم المناطق الفلسطينية من جرائم الحرب في القانون الدولي

إن التوسع الاستيطاني وإقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وضم الأراضي الفلسطينية لكيان دولة الاحتلال، وترحيل المستوطنين للإستيطان فيها يعتبر مناقضاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، بل هي جرائم حرب تستوجب المسؤولية الدولية لدولة الاحتلال.

إن بناء المستوطنات ينتهك حقوق الشعوب المحتلة، المنصوص عليها في القانون الدولي فيما يخص حقوق الإنسان، ومن بين الحقوق المنتهكة، حق تقرير المصير، حق المساواة، حق الملكية، الحق لمستوى لائق للحياة، وحق حرية التنقل.

إن ما تقوم به إسرائيل "السلطة القائمة بالاحتلال" من بناء وتوسيع المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة يعتبر اعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه وانتهاكاً للقوانين الدولية.

وفيما يلي أهم النصوص الواردة في القوانين والمعاهدات الدولية، وقرارات الشرعية الدولية، التي تحظر الاستيطان، وتعتبره جريمة حرب، وتمنع المساس بالحقوق والأملاك المدنية والعامة في البلاد المحتلة:

اتفاقية لاهاي/ 1907م:

المادة (46): الدولة المحتلة لا يجوز لها أن تصادر الأملاك الخاصة.

المادة (55): الدولة المحتلة تعتبر بمثابة مدير للأراضي في البلد المحتل، وعليها أن تعامل ممتلكات البلد معاملة الأملاك الخاصة.

معاهدة جنيف الرابعة/ 1949م:

المادة (49): لا يحق لسلطة الاحتلال نقل مواطنيها إلى الأراضي التي احتلتها، أو القيام بأي إجراء يؤدي إلى التغيير الديموغرافي فيها.

المادة (53): لا يحق لقوات الاحتلال تدمير الملكية الشخصية الفردية أو الجماعية أو ملكية الأفراد أو الدولة أو التابعة لأي سلطة في البلد المحتل.

وقد أدان مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة سياسة إسرائيل في الاستيطان، واستنكرت عدم التزامها بالقوانين الدولية.

وصدرت مجموعة من قرارات الشرعية الدولية تنكر أي صفة قانونية للاستيطان أو الضم، بل تطالب بإلغائه وتفكيك المستوطنات بما في ذلك الاستيطان بالقدس، ومنذ عام 1967 وحتى اليوم صدرت عدة قرارات بهذا الخصوص نذكر بعضاً منها:

قرارات مجلس الأمن الدولي:

- القرار رقم 446 لسنة 1979 الذي أكد أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية غير شرعي.

- القرار رقم 452 لسنة 1979 ويقضي بوقف الاستيطان، حتى في القدس، وبعدم الاعتراف بضمها.

- القرار رقم 465 لسنة 1980 الذي دعا إلى تفكيك المستوطنات.

- القرار رقم 2334 الصادر في شهر كانون الأول / ديسمبر سنة 2016 الذي أكد على أن جميع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، غير قانونية بموجب القانون الدولي، ويدين القرار جميع التدابير الأخرى الرامية إلى تغيير التكوين الديمغرافي وطابع ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، بما فيها القدس الشرقية، بما يشمل، من جملة أمور، بناء وتوسيع المستوطنات، نقل المستوطنين الإسرائيليين، مصادرة وضم بالأمر الواقع الأرض، هدم المنازل والنقل القسري للمدنيين الفلسطينيين، في انتهاك للقانون الإنساني الدولي والقرارات ذات الصلة. ودعا إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بأن توقف على الفور وبشكل كامل جميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وأن تحترم بشكل تام جميع التزاماتها القانونية في هذا المجال.

قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة:

نذكر هنا بعض القرارات المتعلقة بالاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومنها:

- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 15/12/1972، الذي طلبت فيه الجمعية العامة من إسرائيل، أن تكف عن ضم أي جزء من الأراضي العربية المحتلة، وعن تأسيس مستوطنات في تلك الأراضي، ونقل أقسام من سكان أجانب إلى الأراضي المحتلة.

- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 7/12/1973، الذي أعربت فيه الجمعية العامة عن القلق البالغ لخرق إسرائيل لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وجميع الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير معالم الأراضي المحتلة، أو تركيبها السكاني، واعتبرتها انتهاكا للقانون الدولي.

وأكدت الجمعية العامة في قرارات عديدة لاحقة إدانتها سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة، بل ذهبت في بعض قراراتها الصادرة خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى حد اعتبار الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة أنها تشكل جرائم حرب وإهانة للإنسانية، ومن ذلك قرارها الصادر سنة 1983 الذي أكد أن الاحتلال الإسرائيلي، يشكل في حد ذاته انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، وأدان استمرار إسرائيل وتماديها في انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وأن ما ارتكبته إسرائيل من حالات خرق خطيرة لأحكام تلك الاتفاقية يعد جرائم حرب وإهانة للإنسانية، ثم دان القرار المذكور بقوة، السياسات والممارسات الإسرائيلية، وخاصة ضم أجزاء من الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس، وإقامة مستوطنات إسرائيلية جديدة وتوسيع المستوطنات القائمة في الأراضي العربية الخاصة والعامة، ونقل سكان أجانب إليها، ثم أتبعت الجمعية العامة القرار السابق بقرارات أخرى.

الاستيطان جريمة حرب وفقاً لميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية

ان إنشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة يشكل جريمة حرب وفق لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف لعام 1949م، فقيام إسرائيل ( السلطة القائمة بالاحتلال) ببناء البؤر الاستيطانية والاستلاء على الأراضي الفلسطينية وقيامها بنقل بعض السكان الفلسطينيين المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها أو ترحيلهم من أراضيهم سواء بنقلهم جميعاً، أو قيامها بنقل بعض سكان الفلسطينيين داخل نطاق تلك الأراضي أو خارجها، يعتبر مخالفا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م ، و المادة (85) من الملحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف 1977م.

كما أن فتوي لاهاي تطرقت إلى وضع قواعد قانونية هامة تتعلق بمسؤولية إسرائيل عن جريمة الحرب المتمثلة بجريمة الاستيطان، وذلك في الفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشيد جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة بتاريخ 04 يوليو لعام 2004م.

وهذا يؤكد أن دولة فلسطين لها الحق في اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين على جريمة الاستيطان، فجريمة الاستيطان تعتبر من جرائم الحرب التي نصت عليها المادة 08/2/ب/8 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية على النحو الآتي:

يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب بالانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي، أي فعل من الأفعال التالية: قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو أبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.

لذلك إن الاستيطان الإسرائيلي بإنشاء المستوطنات في الدولة الفلسطينية يشكل جريمة حرب وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولاتفاقيات جنيف لعام 1949م، فقيام إسرائيل ببناء المستوطنات والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وضمها، أو نقل جزء من المستوطنين للاستيطان فيها، وقيامها بنقل بعض السكان الفلسطينيين المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها أو ترحيليهم من أراضيهم سواء بنقلهم جميعاً، أو قيامها بنقل بعض سكان الفلسطينيين داخل نطاق تلك الأراضي أو خارجها، يعتبر مخالفا للمادة 49 من الاتفاقية الرابعة، و المادة (85) من الملحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف، 1977م.

إن كل هذه التدابير والإجراءات الإسرائيلية تشكل بمجملها جرائم حرب وفقاً للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية ولنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقانون الدولي الإنساني، وان كل القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين الذين لهم صلة باتخاذ هذه التدابير والإجراءات بما فيهم: نتنياهو وبينت وغيرهما، يعتبرون مجرمي حرب ينبغي أن يقدموا للمحاكمة لدى المحكمة الجنائية الدولية، وان دولة فلسطين باعتبارها دولة عضوا في المحكمة تستطيع أن تحيلهم للمحاكمة فيها حتى لا يفلتوا من العقاب.

*محام ومحاضر جامعي في القانون الدولي.