حصاد عام... الجرح الفلسطيني والعربي لم يلتئم بعد

بقلم: راسم عبيدات

لا الجرح الفلسطيني ولا العربي التئم، فما زال النزف على أشده في فلسطين وسوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا ومصر والسودان والجزائر.

في فلسطين ربما هو العام الأسوأ... العدوان على شعبنا الفلسطيني شامل وبمشاركة مباشرة من الإدارة الأمريكية المتصهينة، حيث كان هذا العام، عام العقوبات الجماعية والتطهير العرقي بإمتياز. ولعل "مذبحة" الحجر في وادي الحمص، كانت الجريمة الأبرز لهذا العام، وكذلك هي العيسوية منذ حزيران الماضي، وهي في اشتباك مباشر مع المحتل بكل أجهزته المجندة لكسر إرادة العيسوية وتحطيم معنويات أهلها، اجهزة مدنية وامنية تنسق فيما بينها، وتستبيح العيسوية يومياً، تداهم وتعتقل وتعتدي على السكان، وتقمع وتنكل، وتفرض الضرائب بأشكالها وتهدم المنازل وتوزع الإخطارات بالهدم.

هي عقوبات جماعية تحمل في طياتها اهدافا سياسية. القدس استبيحت ككل، مؤسسات تغلق وانشطة وفعاليات تمنع، ومحاولة لإقصاء أي مظهر من مظاهر السيادة والوجود العربي الفلسطيني في المدينة، فالأقصى بات هدفاً مباشراً للجمعيات التلمودية والتوراتية والإستيطان يتضاعف ويتمدد،والحال في باقي الضفة الغربية ليس بالأفضل، فالإستيطان تضاعف منذ اوسلو اربع مرات، وهناك محاولات اسرائيلية جارية لضم الأغوار وشمال البحر الميت وشرعنة الإستيطان في الضفة الغربية بدعم أمريكي مباشر، وغزة ما زالت تعاني من الحصار وبالكاد يجد السكان مستلزمات حياتهم الأساسية. وفوق كل ذلك، ما زالت الساحة الفلسطينية متشظية ومنقسمة على ذاتها، وليس فقط الإنقسام يتكرس ويتشرعن، بل نحن امام حالة من الانفصال غير المعلن .

اما في سوريا فرغم تراجع حدة العدوان العسكري المباشر عليها، ونجاحها في تحطيم الجماعات الإرهابية ودحرها، ولكن نجد بان الحرب الإقتصادية والمالية على دمشق ما زالت على أشدها من قبل قوى العدوان وفي المقدمة منها امريكا والإتحاد الأوروبي والعديد من المشيخات الخليجية العربية وجماعة الخلافة العثمانية، حيث عصابات اللصوص من ترامب وأردوغان،تسرق النفط والغاز من الحقول السورية في شمال وشرق الفرات، وترامب يقول علناً بانه سيسرق النفط السوري ويبيعه. إنها بلطجة القوة في زمن التخاذل والإنهيار والتآمر العربي.

أما في لبنان والعراق، فجرى توظيف الحراكات الشعبية التي خرجت من اجل محاسبة النظام السياسي الفاسد والناهب والمهدر للمال العام ، وهذان النظامين يمثلان طبقة سياسية فاسدة تتحكم في كل مفاصل الدولتين والإقتصاد والمجتمع على مدار عشرات السنوات، لا هم لهما سوى النهب وشرعنة الفساد. هذه الحراكات الشعبية، جرى استغلالها من قبل قوى محلية وعربية وإقليمية ودولية، من اجل تحقيق اهداف سياسية ليس لها علاقة بمطالب الحراكات الشعبية، فأمريكا ومحورها مارسا ضغوط اقتصادية ومالية على لبنان،من اجل دفع لبنان للموافقة على ترسيم حدوده البرية والبحرية، بما يمكن اسرائيل من السيطرة على ثروات لبنان النفطية والغازية في بلوك 9، وحتى تدويل حدوده البرية والبحرية والجوية مقابل التمويل، وكذلك العمل على اضعاف حزب الله ومحور المقاومة اللبنانية، بممارسة كل أشكال التحريض على حزب الله وسلاح المقاومة. والسعي لدفع لبنان نحو الفوضى والإحتراب الطائفي.

وفي العراق كان الهدف واضح، دفع العراق الى الإحتراب المذهبي والسعي لإضعاف القوى الموالية لطهران، في العراق وعلى رأسها الحشد الشعبي، وأيضاً تم قصف عدة اهداف تابعة للحشد الشعبي من قبل اسرائيل وأمريكا اكثر من مرة، وكذلك اكثر من قنصلية ايرانية اعتدي عليها وتم حرقها. ولا ننسى بأن التظاهرات الشعبية التي خرجت في ايران احتجاجاً على ارتفاع اسعار المحروقات بدولار واحد،عملت أمريكا ودولة خليجية على توظيفها امنياً من أجل زعزعة استقرار ايران ومحاولة إسقاط النظام الإيراني من خلال الدعم العسكري والمالي لتلك الجماعات.

اما في ليبيا فنجد بان القتال على أشده بين جماعة حفتر المدعومة من قبل مصر والسعودية والإمارات وروسيا وفرنسا، وبين حكومة السراج في طرابلس المدعومة من قطر وتركيا، التي أرسلت قوات عسكرية وأسلحة تركية لدعم حكومة السراج، التي وقعت معها اتفاقاً لترسيم حدودها البحرية،بما يمكن تركيا من الإستفادة من هذا الترسيم، في تمرير خط أنابيب الغاز الإسرائيلي اليها عبر تلك المنطقة.

الصراع يدور بن الوكلاء على خطوط النفط والغاز،ويبدو أنه سيدخل مرحلة الحرب بين الأصلاء مع إرسال تركيا لقوات واسلحة لدعم حكومة السراج، والشعب الليبي ضحية تلك الجماعات المتناحرة على النفوذ والمصالح، هذا الشعب الذي كان ضحية ما سمي بالربيع العربي، واستقدام الجامعة العربية لحلف الأطلسي من أجل السيطرة على نفط ليبيا.

واليمن ما زال جرحه ينزف، ولم يتوقف عدوان"التحالف العربي"عليه، وحتى اللحظة لا يوجد افق سياسي لنهاية هذا العدوان،رغم ان ما دفعته السعودية على تلك الحرب العدوانية، تجاوز 725 مليار دولار.

هذا الحصاد يؤشر بشكل واضح الى ان الجرح الفلسطيني والعربي لم يلتئم، ورغم اتضاح وافتضاح المشاريع التآمرية الأمريكية والصهيونية على الأمة العربية، ولكن البعض عربياً يصر على العناد والمكابرة والانخراط في المشروع الأمريكي، والهرولة نحو التطبيع الرسمي والشرعي والعلني مع دولة الإحتلال الصهيوني على حساب قضيتنا وحقوق شعبنا الفلسطيني، حيث ما يسمى بصفقة القرن الأمريكي، جاءت لكي تشطب قضيتنا الفلسطينية بشكل نهائي.

ورغم كل هذا الإنكشاف لكن هناك من يرى بإسرائيل الجارة العدوة العاقلة ، وحتى هذه اللفظة لم تعد موجودة في قاموس العديد من المشيخات والدول العربية، التي تسعى لتطبيع علاقاتها مع اسرائيل وتوقيع معاهدات عدم اعتداء معها، كما كشف عن ذلك وزير الخارجية الإسرائيلي، اسرائيل كاتس.

هذه الدول حرفت الصراع عن أسس وقواعده من صراع عربي- اسرائيلي جوهره القضية الفلسطينية الى صراع إسلامي – إسلامي ( سني- شيعي)، حيث صورت أمريكا للمشيخات الخليجية العربية بأن عدوها الرئيسي هو ايران، وهي من تهدد امنهم واستقرارهم وعروشهم، وتخلق لها قواعد " إرهابية" في المنطقة، في مقدمتها حزب الله اللبناني.

كل ذلك من اجل إخافتها وترهيبها والإستمرار في " استحلابها" مالياً، وكذلك حملها على شراء أسلحة امريكية بمئات المليارات من الدولارات،واستقدام المزيد من القوات الأمريكية وإقامة القواعد العسكرية على أراضيها والمدفوعة الثمن.

رغم كل هذا الحصاد الفلسطيني والعربي السيء،ولكن هناك بؤر مضيئة، نلمسها في تنامي وتصاعد وزيادة قوة وقدرات قوى المقاومة ومحورها، والتي أصبح لديها ميزان ردع مع الاحتلال الصهيوني،وكذلك المشروع الأمريكي في المنطقة يتراجع ويفقد قدراته على أن يبقى المهيمن والمسيطر على المنطقة،فالتغيرات الجيواستراتيجية التي تحدث، تؤشر الى أفول المشروع الأمريكي في المنطقة،واختناق دولة الإحتلال الصهيوني بعنصريتها .