... في الجدل المحتدم حول المرأة في فلسطين

بقلم: عوض عبد الفتاح

ليست الموجة الأخيرة من النقاش المجتمعي المحتدم حول واقع المرأة الفلسطينية، وما تتعرض له من اعتداء وظلم وإجحاف داخل فلسطين، سوى تجسيد لنجاح المنظمات النسوية في دفع قضية المرأة إلى الواجهة، وتناول جوانب كانت مخفية ومسكوتا عنها. وأخص في هذا المقام ثلاثة أحداث ونشاطات، ألقت مجددًا حجرًا في مياهٍ راكدة، في الثلاثة أشهر الأخيرة.

الأول؛ مسيرات "طالعات"، التي نظمتها حركات وناشطات نسوية ومجتمعية في أنحاء فلسطين ضد جرائم القتل، في أواخر أيلول الماضي، على أثر مقتل الفتاة إسراء غريب من بيت لحم، على يد أفراد من عائلتها. وهذا النشاط النسوي تميز بكونه نشاطًا ضم كل فلسطين، مُعبّرًا عنه بشعار " وطن حر، نساء حرة" للتأكيد على مفهوم التحرر الشامل، ورفض تأجيل التصدي للقضايا الاجتماعية، وفي مقدمتها حق المرأة في العيش بأمان، بعد التحرر الوطني الذي ما زال الطريق إليه طويلاً.

وكان لافتًا أن أضخم هذه المسيرات تلك التي شهدتها مدينة حيفا. الثاني؛ إقدام جمعيات نسائية، وآخرها "جمعية السوار"، في جمع شهادات نساء تعرضن للتحرش والاعتداء على خصوصياتهن. وقد فجرت هذه الشهادات والنشر العلني عنها نقاشًا واسعًا وجدلا حادًا، بين مؤيدٍ ومعارضٍ لطريقة نشر هذه الشهادات. وذهب البعض إلى القول إن ما تقوم به هذه الجمعيات هو "أشبه بمحاكم ميدانية"، بحق المتهمين دون سماع دفاعهم، وبسبب ما يمكن أن تسببه من ضرر لعائلاتهم.

وبغض النظر عن بعض الوجاهة في هذه الادعاءات، إلا أن هذه الشهادات، على ما يبدو، قد أزاحت الستار عن قضايا مؤلمة شبيهة لا تحصى، تحصل طيلة الوقت، وفتحت عيوننا وعقولنا بصورة أكبر على ما يجري داخل مجتمعنا، ما يضع الجميع في تحدٍ كبير في مسألة الأخلاقيات والتعامل مع المرأة، في كافة مؤسسات المجتمع العربي، التربوية والتعليمية والحزبية والاجتماعية.

الحدث الثالث؛ الحرب الإعلامية الجارية ضد المنظمات النسوية، من قبل عشائر في قضاء منطقة الخليل وحزب التحرير الإسلامي، وبعض الأوساط المهنية في الضفة الغربية، بعد أن طالبت هذه المنظمات السلطة الفلسطينية بتطبيق اتفاقية منظمة سيداو التابعة للأمم المتحدة، التي وقع عليها الرئيس محمود عباس، عام 2014.

والاتفاقية تنادي بإزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة. ومن البنود التي أثارت سخط العشائر، تحديد سن الزواج بحيث لا يقل عن 18 عامًا، والسماح بالإجهاض، وأُخرى تتعلق بحق المرأة بالإرث والتملك. وقد ألصقت هذه القوى بالمنظمات النسوية تهمًا مثل تفكيك المجتمع الفلسطيني والأسرة وغيرها.

وخاض الفرقاء نقاشًا حادًا تخلله اتهامات واتهامات مضادة على صفحات التواصل الاجتماعي. ومن أخطر ما حملته هذه الحملات، هو صدور بيان من عشائر الخليل تدعو فيه إلى حظر جميع المنظمات النسوية، ومنعها من دخول المدارس في إطار حملات التوعية التي تقوم بها. ورأى العديد من المدافعين عن حقوق المرأة والديمقراطية وعن نهضة المجتمع، أن هذا البيان يتجاوز الخطوط الحمراء، كونه يعني التمرد والتحريض على النظام وعلى العنف. العنف ضد قطاع اجتماعي هو نصف المجتمع يتعرض أصلا، يوميا، للعنف بأشكاله الناعمة والخشنة، بل الدموية.

يُمكن، وشرعي، مناقشة أي رأي، ويمكن مناقشة المنظمات النسوية، مثلما يجوز مناقشة كل إطار اجتماعي أو سياسي، في النهج والتوجه ومدى الاستقلالية، وفي منطقية الآراء والأفكار وملائمة بعضها لخصوصية المجتمع الثقافية. فالنقاش يجري حتى بين التوجهات النسوية، وهو قائم منذ تبلور التوجهات النسوية المختلفة والمتنوعة على المستوى العالمي، بما فيه الغربي. إلا أن ألامر، كما نتابع، ليس على هذا النحو، بل أنه يستهدف اغتيال كل محاولة جدية للنهوض والتحرر، ويهدد ما تبقى من نسيج اجتماعي في ظل سيطرة المستعمر.

ولكن ما لا يجوز إنكاره هو الدور النوعي الذي لعبته، وتلعبه، هذه المنظمات النسوية والنسائية، تاريخيا وحاضرا، في فرض قضية المرأة على أجندة المجتمع الدولي، وفي الأحزاب والأطر والحركات الاجتماعية المختلفة، وفي تحدي النزعة الذكورية في مجتمعاتها. فقد ساهمت هذه المنظمات في الكتابة والكشف عن دور المرأة العادية، الفلاحة، وربة البيت، والمثقفة، والمناضلة، تجربة وإنجازات المرأة في نهضة المجتمع وحياته الاقتصادية والتربوية.

أثبتت المرأة على مدار التاريخ، أنها تستطيع تحمل المسؤولية وتحمل المشاق ما يفوق الرجل، وأنه لا يحق لأحد أن يكون وصيًا عليها، بل فقط من خلال الشراكة المتساوية مع الرجل يمكن بناء حياة سوية وطبيعية وآمنة. إن النظرة الفوقية تجاه المرأة، هي الأرضية التي ينطلق العنف منها، ضدها وبأشكاله المختلفة. ويُسجل للمنظمات النسائية الفلسطينية رياديتها في جعل العنف ضد المرأة على رأس جدول أعمال المجتمع، وأخرجت أمر هذه الجرائم من حالة التجاهل واللامبالاة.

كانت المرأة الفلسطينية، ولا تزال، ماضيا وحاضرا، حاضرة في عملية بناء المجتمع، ابتداءً من مشاركتها في فلاحة الأرض، وتربية الأولاد، ومتابعة تعليمهم مع الطاقم التدريسي، وفي والمعارك الوطنية، وتحمل المسؤولية تجاه العائلة بعد استشهاد زوجها أو اعتقاله أو جرحه أو مرضه. إن الرجل الذي يعتدي عليها، يعجز عن القيام بكل هذه الواجبات التي تكسر الظهر.

ومع ذلك، لا زلنا نشهد تنكّر المؤسسات الذكورية لحق المرأة في إسماع صوتها والدفاع عن حقها. لذا، هناك أطنان من الأسرار التي لم تُكشف بعد بسبب خوف المرأة من البوح بها.

نعم، لقد آن الأوان لثورة مجتمعية. لا تحرر وطني فعلي من دون تحرر اجتماعي.

عن "عرب ٤٨"