عيد ميلاد مجيد

بقلم: حمادة فراعنة

ليس غريباً السلوك الأردني المميز بإظهار التماسك الوطني والاحتفال المشترك بأعياد الميلاد من غالبية أردنية ملموسة شعبياً ورسمياً، على امتداد العديد من المدن الأردنية ، وهي ظاهرة ليست جديدة، بل تراث وطني مستمد من دور ومكانة واهتمامات الراحل الحسين، ورثناه وتم الحفاظ عليه وزيادته مع تطور الوعي بالمواطنة، والإحساس القوي بالشراكة، والرغبة الدفينة نحو الفرح، فمظاهر الفرح والسلام والمحبة نزوع مبدئي خلفه السيد المسيح الفلسطيني الأول كما وصفه أبو عمار وأتباعه رداً على الاستعمار الروماني الذي كان يتحكم بمفاصل منطقتنا، ورداً على مؤامرة اليهودي الخائن الذي وشى به وسلمه.

مظاهر الاحتفال بفلسطين كما هي في الأردن، فهذا المدى الجغرافي لشعب واحد في دولتين لم تفصل السياسة والرغبة الجهوية المشروعة للحفاظ على الذات، لم تفصل بينهما بل بقي التماسك والوحدة والتراث العربي الإسلامي المسيحي هو الامتداد الذي يربط الأردنيين مع الفلسطينيين أكثر بكثير وأعمق وأقوى مما يُفرقهم.

فالذات والأسر والعائلات والعشائر والمجتمع امتداد لبعضهم البعض، والجغرافيا الدينية المقدسة تُكمل بعضها، فالمهد والقيامة والبشارة والقفزة وطبريا في فلسطين تتكامل بالحج المسيحي مع عمادة السيد المسيح شرقي نهر الأردن مثلما تم إقرارها واعتمادها من قبل الفاتيكان وقداسة البابا، وكنائس الرسل وجورج في مأدبا وأم الرصاص ونيبو ومقاور وسيدة الجبل في عجلون، تراث لم نخترعه بل ورثناه، ولن نتمكن من إلغائه لأنه مسكون جوانا بدون ادعاء أو تزلف، وبدون تضليل زائد أو استخفاف متعمد.

نحتاج للفرح المشترك، لأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية صعبة لدينا، وحالة التراجع والانحسار القومي مثقلة على أطراف الشراكة العربية الغارقة في حروب بينية مفتعلة حصيلتها الفشل بعد الدمار والخيبة.

ونعيش حالة تهكم وتدخل وافتراء من قوى إقليمية نافذة تتعامل مع العالم العربي سياسة واقتصاداً وأمناً باعتباره الرجل المريض المطلوب وراثته سوقاً وغازاً ومكانة وإنساناً.

فلسطين تعيش بأقصى معاناتها أمام تطرف إسرائيلي غير مسبوق على تحقيق قفزات سريعة في فرض الاحتلال ومشاريعه الاستعمارية التوسعية مستغلاً الانقسام الفلسطيني والحروب البينية العربية، بهدف استكمال تهويد القدس وأسرلتها، وضم مستعمرات الضفة والغور لخارطة المستعمرة، وتجويع غزة وتشتيت الضفة عن القدس وكلاهما عن القطاع، وفرض خارطة تقسيمه مهلهلة لا تستجيب لحل الدولتين.

بهذه الظروف نعيش حالة التمسك بالفرح والميلاد وجعل الأردن نموذجاً في الشراكة والمواطنة وجاذباً للسياحة كبلد خدمات متطورة يستجيب لمعايير العصر ومتطلباته.

عوامل عديدة تفرض علينا السكون والضعف والقنوط، مقابل عوامل محفزة تفرض علينا أن نعيش مهما قست الظروف، وأن نحتفل حتى في ظل معطيات القسوة والفقر والحاجة، لأن الحياة فيها ما يستحق أن نعيشه، وعلى هذه الأرض كما يصفها نبي الشعراء وقائدهم محمود درويش» ما يستحق الحياة» .

تماسك أهل الريف والبادية والمدن والمخيمات ومحبتهم كأردنيين يُعطينا الأمل أن الغد هو أفضل من اليوم، وهذا ما نعمل لأجله، وما يجب أن نعمل لأجله:

أمن الأردن واستقراره وتقدمه وديمقراطيته وتعدديته، وحرية فلسطين وعودة اللاجئين من شعبها إلى اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا وصفد وبيسان وبئر السبع واستعادة ممتلكاتهم منها وفيها وعليها، وكل عام وشعبنا بخير.