العرب المسيحيون ملح هذه الأرض وإسهامهم النضالي والفكري والثقافي واضح للعيان

بقلم: راسم عبيدات

القول أن المسيحيين العرب "أقلية" ينطوي على خطأ من ثلاث نواح على الأقل، الأولى أنه يتجاهل كونهم عربا، والعرب أغلبية في أوطانهم، و"أقلنة" المسيحيين، إنما "تؤقلن" عروبتهم وتسعى إلى تصغيرها (وهذه بالأحرى خطيئة، لا مجرد خطأ)، والثانية، أنه يضعهم على هامش التاريخ في المنطقة، وهم الذين ظلوا في قلبه، ولعبوا دورا فكريا رياديا في صنع مشروعنا الحضاري الحديث فيه، والثالثة أنه يعزلهم عن الدور السياسي الوطني الذي لعبوه في كل مشروع للتحرر والاستقلال والوحدة عرفته المنطقة، وهم مسيحيون، ولكن هل غلبت "مسيحيتهم" على عروبتهم ووطنيتهم في أي وقت من الأوقات؟ لم يحصل هذا أبدا.

العرب المسيحيون جزء أساسي من الوجود العربي في هذه الديار، كان وما زال لهم دور بارز وريادي في المشروع التحرري الوطني العربي والاستقلال،وكذلك المشروع النهضوي والحضاري.

ولم نشهد في أي مرحلة من مراحل تاريخنا ووجودنا العربي أن وضع المسيحيون العرب طائفيتهم فوق عروبتهم، بعكس الاحزاب الإسلامية المتشددة التي هي أكثر من حزب وطائفة وضعت ليس طائفتها فقط، بل إسلامها فوق وطنيتها وقوميتها. وكثير من القيادات الدينية والسياسية ورجال الفكر المسيحيون أشاروا إلى انتمائهم العروبي القومي وثقافتهم الإسلامية، ويقف في المقدمة منهم القائد الوطني الكبير الراحل حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش والبابا شنودة ومكرم عبيد وغيرهم.

المسيحيون العرب لم يكن لهم بصماتهم الواضحة في المشروع التحرري القومي من الاستعمارين التركي والغربي فقط، بل كانوا روادا وسباقين في هذا المجال ولا أحد يستطيع المزايدة عليهم أو إنكار دورهم، ففي مواجهة هجمة التتريك حفظت أديرتهم كتب التراث العربي، وبنى المسيحيون المدارس والمعاهد التعليمية لتدريس اللغة العربية في أكثر من دولة عربية، لأنها صوت ثقافتهم وتميزهم القومي الخاص. وعندما رفع الأتراك قوميتهم فوق ديانتهم، كان المسيحيون أول من رفع لواء العروبة ، وهبوا لتذكير المسلمين بأنهم خير أمة أخرجت للناس.

المسيحيون العرب كان لهم وما زال دور بارز في كل المجالات ثقافية وأدبية وتراثية ووطنية وسياسية ....الخ، وهم عندما حاربوا الاستعمارين العثماني والغربي لم يحاربوهما باسم الدين ولم يكن الدين قضيتهم، بل كانت قضيتهم القومية العربية والتحرر من الاستعمار والاستقلال.

ولوضع النقاط على الحروف لا بد من استعراض مكثف يلقي الضوء على دورهم وتاريخهم ومساهماتهم ونضالاتهم وتضحياتهم في المشروعين القومي التحرري والنهضوي الحضاري، ففي العمل الجهادي والاستشهادي كانوا سباقين في هذا الجانب فالضابط المسيحي السوري جول جمال، أول من تطوع للقتال الى جانب المصريين لصد وردع العدوان الثلاثي عليهم، وهو من قاد طوربيده المليء بالمتفجرات لكي يصطدم بالبارجة الفرنسية العملاقة جان دارك، التي انشطرت الى نصفين وغرقت بمن فيها،ليكون غرقها وتدميرها من العوامل الهامة في صنع النصر المصري. وليس هذا فحسب، بل رداُ على نكبة فلسطين وتشريد شعبها، والتي كانت من الأسباب الرئيسة في قيام ونشوء أحزاب وحركات عربية قومية للرد عل تلك النكبة وطرد الغزاة والمستعمرين، وقف على رأسها وقيادتها قادة من المسيحيين العرب منهم قسطنطين زريق كواحد من رواد القومية العربية وميشيل عفلق كمؤسس ومؤدلج لحزب البعث العربي الاشتراكي، والذي كان له شرف حكم العراق، والذي بعد سقوط حكمه بفعل التآمر والخذلان العربي واحتلاله من قبل أمريكا يدفع الشعب العربي العراقي بكل طوائفه واثنياته ثمناً باهظاً وجرحاً نازفاً الى يومنا هذا. وهذا الحزب أيضا من يقف على رأس الحكم في سوريا، والتي ما زالت قبلة كل الثوريين والمناضلين العرب.

وفي النضال الوطني التحرري لا أحد يزايد على حكيم الثورة القائد الوطني الكبير الراحل جورج حبش أحد قادة حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية والتي أنجبت عمالقة في النضال والسياسة والعمل الجماهيري منهم الشهداء القادة وديع حداد وجايل العرجا ومها نصار وغيرهم، وكذلك نايف حواتمه الذي ما زال يقود الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ومنها ايضاً الرفيق القائد المفكر داود التلحمي وغيرهم من رواد العمل السياسي والفكري.

المسيحيون العرب هم الغساسنة في حوران، والمناذرة في العراق، وهم الذين استقبلوا أبناء عمومتهم القادمين في ألوية الفتح، في جنوب سوريا"الغساسنة" وفي شمال العراق "المناذرة"، وساعدوهم على الروم البيزنطيين، ولولا المسيحيين في الشام لما قامت الدولة العربية الأولى، أي دولة الأمويين.

والمسيحيون العرب لمع من بينهم أعلام كبار في الشعر والأدب والحكمة والخطابة وكذلك كان للمسيحيين العرب الإسهام الكبير في العصر الذهبي للثقافة العربية، فنقلوا علوم اليونان وحكمتهم الى العربية واشتهر منهم اسحق بن حنين وابنه حنين وابن البطريق وقسطا بن لوقا وثابت بن قرة ويعقوب بن اسحق الكندي ويوحنا بن ماسويه وابن بختيشوع.

أما أعلام عصر النهضة العربية الحديث من المسيحيين العرب فهم كثيرون ولا يمكن تخيل الثقافة العربية بدونهم ومن ابرزهم ناصيف وابراهيم اليازجي وفرنسيس المراش واديب اسحق واحمد فارس الشدياق وشبلي شميل وفرح انطون وجورجي زيدان ولويس شيخو ولويس المعلوف وعيسى اسكندر المعلوف وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وامين الريحاني ورشيد سليم الخوري وفوزي المعلوف ونسيب عريضة وايليا ابو ماضي ومي زيادة وخليل السكاكيني وغيرهم.

كما تصدر المسيحيون العرب تصدروا إصدار الصحف في العالم العربي من الأهرام ومجلة روز اليوسف في مصر الى الدفاع في فلسطين وحديقة الأخبار في بيروت وغيرها.

والمسيحيون العرب هم ادوارد سعيد واميل توما واميل حبيبي وتوفيق طوبي وحنا ابو حنا وغيرهم من قادة الفكر والسياسة والأدب والثقافة العرب والفلسطينيين.

بتغييب المسيحيين عن عروبتهم، فان ذلك يعني انتقاصا كبيرا للثقافة العربية والفكر العربي الذي اسهم فيه رجال الفكر والثقافة المسيحيون الكثير الى جانب إخوانهم من رجال اثقافة والفكر المسلمين.

احموا مسيحييكم، تحمون عروبتكم، بل احموا مسيحيتكم ،لتحموا دينكم نفسه من التمزق الطائفي... فالمسيحيون العرب هم ملحنا، وهم منا ونحن منهم.