الأسير كريم يونس... أنا والمسيح ولدنا في يوم واحد في فلسطين الكنعانية

بقلم: عيسى قراقع*

في نهار ماطر عاصف مثلج، حيث تلتقي الأرض مع السماء لأول مرة في التاريخ، البشر والحجر والماء والنار وبدايات التكوين، ولدت يوم 24/12 يوم مولد السيد المسيح عليه السلام، هو نزل عن الصليب ملكوتا حلق بجناحيه باسطا يديه في الفضاء، وأنا نزلت عن صليبي ماشيا على هدى نجمته اتبع خطاه، كنت اسمع آلامه في كل مكان، وكان يسمعني في زنزانتي عندما ألقى علي بشارته ومفتاح القيود، وكنت أراه مكبلا يقتادونه من سجن إلى اخر، مضروبا ينزف الدماء ويصلي من اجلي كلما اقترب الموت وضاقت الحياة.

أنا الأسير كريم يونس، ولدت مع المسيح في يوم واحد في فلسطين الكنعانية، تحت سقف البحر المتوسط وبين جبلين ومغارتين وحقول واسعة للرعاة، وعندما طاردوني طفلا في شوارع عكا والجليل، خبأني وعمدني وأعطاني الخبز والعسل والحجارة، بارك روحي قائلا: دع جسمك الدامي يحرك الفصول الأربعة أجراسا، سوف تتسع البراري، وستكون يوما في القدس بانتظاري.

أنا الأسير كريم يونس، ولدت مع المسيح في يوم واحد، جلسنا عل مائدة واحدة في ذلك العشاء، كانت معنا كل العائلة الفلسطينية المقدسة، مر علينا مليون أسير فلسطيني، آلاف الأطفال الذين طاردهم الرومان والبريطانيون والإسرائيليون، أيقظوهم من نومهم وأحلامهم وعلقوهم على الحراب، مر علينا آلاف المعدومين في الزنازين تعذيبا ومرضا وقهرا، المقتولين على الحواجز العسكرية، آلاف الأشجار التي قلعت في حقول أجسامنا على يد المستوطنين الحاقدين حتى غاصت في عروقنا الأسلاك الشائكة, دفاتري مليئة بالأسماء الراحلة، دفاتري صفراء صفراء كورق الإنجيل تحت صخور أضلاعي اليابسة.

أنا الأسير كريم يونس، ولدت مع المسيح في يوم واحد، ها نحن معا في الكنيسة، ها نحن معا في مدينة بيت لحم، نضيء شجرة الميلاد، نوزع الهدايا على الأولاد الصغار في الساحة، اليوم اشعر ان حياتي كلها كانت تمرينا على الولادة، حررني المسيح من حبل المشنقة، ألبسني ثوب الفرح العظيم، الحرية والمحبة والعدالة تنزل في أذني صوت السماء، أخذني المسيح إلى أمي وبيتي وقبر محمود درويش، أخذني إلى الخليل وغزة والناصرة، أخذني إلى قبور جبرا إبراهيم جبرا والمطران كبوتشي وإبراهيم عياد وميسرة أبو حمدية وقرانا الفاتحة، أخذني المسيح إلى بيت الشهيد سامي أبو دياك وبسام السايح وعرفات جردات وفارس بارود وعمر القاسم وفادي الدربي، وجدت أشجارا من أشجار الجنة، وجدت كواكب تصعد إلى الاعالي، نبضات كثيرة تحت التراب، ما هذه الآلام التي تشحن البروق في ميلادي، هو مخاض شعب الرسالات والكرامات، لا شيء يكسرنا قال المسيح لي، وحينها هبت في سجن النقب عاصفة.

أنا الأسير كريم يونس، ادخل ميلادا جديدا، أبدا بالسنة الـ39 داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، هناك علاقة بين السجن والولادة، المخاض يتلوه مخاضا، الوقت يكبر وكل الأسرى دفنوا وصياتهم في معبدي، لو لم يكن المسيح معي لما انتصر الملح على الحديد، لو لم يكن المسيح معي لما انتصر الجوع على السجان، أكملت عمري الان واقفا وأفرغت انفجاري، تحت وسادتي وردة ومحبة وسلام ويقين يفك إساري.

ولدت مع المسيح في يوم واحد، منذ 39 عاما ونحن ننتظر الخلاص، الان سنذهب إلى المحكمة الجنائية الدولية، الان سنسرد كل الرواية، الان سنفتح القبور وتنطق الجدران، هي جريمة منظمة مستمرة، الشمس في عين اليسوع، الشمس في عيني، دمه المقدس لا زال فوق الخشبة، دمه المقدس طازجا ساخنا في سجون عسقلان ونفحة وهداريم، فانظروا ايها العباد الى فوق، هناك سحب مبلولة تتجاوز الجدار وابراج الحراسة، هناك سحب حرة عائدة.

انا الأسير كريم يونس، ولدت مع المسيح في يوم واحد، الى متى سيبقى الاحتلال مستديماً طويلا بقدر ما تحتمل اعمارنا الباقية؟ كل الاحتلالات مؤقتة، الفاشية الاسرائيلية نشبت اظافرها في لحمنا، سنحاكم دولة الاحتلال امام المحاكم الدولية، دولة قتلت القانون الدولي والشرعية الدولية، سنحاكم دولة ابرتهايد تمارس جريمة الفصل العنصري في حياتنا ويومياتنا مصابة بحمى النازية والبربرية.

ميلادي هو صوت كل الضحايا، الاطفال المعتقلون والأسرى الأداريون والمرضى والنساء والشهداء والمنكوبون والمبعدون والمدفونون تحت الركام في قطاع غزة، صوت الارض الثكلى المغتصبة، صوت المسيح يقرع جرسا ويحمل معولا، يشق في الظلمة نوراً ويقطع حبل المشنقة.

في ساحة الميلاد في بيت لحم انا والمسيح صلينا امام حشد كبير من المؤمنين والقراء والفقهاء والحجيج:

يا الهي ، اعشاب السماء لنا، سننقذ الايات المباركات بايماننا ووحدتنا ومافينا من ارادة وقمح وصمود، هي نبوءة، الهمنا كي نخترق هذا الحصار ونعرف كيف نكتب فجر الحرية في القدس، يا الهي مهما كثرت السلاسل في اقدامنا وازدحم الموتى فوق ارضنا واستمرت المذبحة، فانت القادر الجبار العادل سيد الدنيا وسيد الاخرة، آمين.

*عضو المجلس التشريعي، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق