الدواء المر

بقلم : اللواء بلال النتشة

الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس

على بعد مئات الامتار من مخيم قلنديا الواقع ما بين رام الله والقدس والذي قدم نحو 85 شهيدا ومئات الجرحى ومثلهم اسرى في اطار النضال الوطني المتواصل لبلوغ الحرية والاستقلال ، تحث إسرائيل الخطى لبناء نحو 11 الف وحدة استيطانية سكنية في المنطقة الواقعة ما بين شارع المطار واراضي قلنديا البلد والمخيم وهي مناطق متجاورة ومتداخلة في ان معا ، ما يعني ان إسرائيل انتقلت في مشروعها الاستيطاني التوسعي من القرى والارياف وقمم الجبال الى قلب المخيمات والمدن -" القدس والخليل نموذجا " - لتكون بذلك قد دقت المسمار الأخير في نعش عملية السلام التي قتلتها بإجراءات عملية على الأرض وفي مقدمتها الاستيطان .

على هذه القاعدة تؤسس إسرائيل للمرحلة القادمة بعد ان تخرج من ازمتها الداخلية المتعلقة باختيار رئيس جديد للوزراء خلفا لنتنياهو والذي في عهده ازدهر الاستيطان وانتعشت عمليات الابتلاع والمصادرة لأراضي الضفة الغربية بشكل غير مسبوق ، فيما ارتفعت عمليات هدم المنازل في القدس بنسبة تفوق الخمسين بالمئة عن السنوات السابقة . اذ لا يكاد يمر يوما الا وتدمر فيه إسرائيل منشأة او منزلا مشيدا او اخر قيد الانشاء والذريعة جاهزة وهي " عدم الترخيص" في الوقت الذي ترفض فيه بلدية الاحتلال حتى النظر في طلبات المواطنين المقدسيين للحصول على رخص بناء .

من هنا فإن عنوان المرحلتين الحالية والقادمة هو المزيد من الاستيطان ، والمزيد من الخنق والحصار للمقدسيين على وجه الخصوص في اطر عملية التهويد المتسارعة للمدينة حتى تتحقق اهداف الاحتلال والتي من ابرزها التخلص من اكبر نسبة من السكان في قلب العاصمة وجلب عشرات الاف العائلات الاستيطانية المتزمتة مكانهم لتصبح ذات اغلبية يهودية متدينة ومن هنا يكمن الخطر الشديد على المسجد الأقصى ، وفي الاتجاه الاخر السيطرة على أوسع مساحة ممكنة من الضفة الغربية وضم الاغوار الى حدود إسرائيل لتقطع الطريق على قيام دولة فلسطينية ذات حدود مع رئتها النقية المملكة الأردنية الهاشمية . وبذلك تكون دولة الاحتلال قد انهت حل الدولتين ولن يتبقى الا الإعلان عن موعد الدفن .

وما يشير الى ذلك بوضوح التصريح الذي اطلقه الأسبوع الماضي المتطرف جدعون ساعر منافس نتنياهو على تولي رئاسة الوزراء في الانتخابات الثالثة المقررة في شهر اذار القادم والذي اعلن فيه صراحة ان حل الدولتين مجرد اكذوبة ، مؤكدا انه لا مكان لدولة بين النهر والبحر الا لدولة إسرائيل ، نافيا بذلك أي حق للفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة بحدود واضحة مع الأردن الامر الذي يعني ان قضية ضم الاغوار هي عقيدة واستراتيجية احتلالية يتبناها الصقور والحمائم بشكل جلي مع اختلاف في "تكتيكات" التطبيق .

استنادا الى هذه المعطيات فان الحديث عن حل الدولتين بات اقرب الى الخيال منه الى الواقع رغم تمسكنا به وبمبادرة السلام العربية كأساس لأي تسوية سياسية مع إسرائيل التي يتبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه من المستوطنين مشروعها الاستعماري الذي ينفي حق شعبنا في الوجود من الالف الى الياء .

على ذات الصعيد فإن على إسرائيل الماضية في ابتلاعها للحقوق الفلسطينية ان تنظر بعمق الى سوداوية المشهد القادم وهو النتيجة الحتمية والواقعية لتنكرها لعملية السلام واختيارها للمواجهة مع شعب لا يوجد عنده ما يخسره سوى " اغلاله" ، فالكرامة الوطنية اغلى من سلام وهمي مع دولة لا تؤمن بوجود شريك فلسطيني وتريده ان يظل قابعا تحت الاحتلال الى ما لا نهاية .

ولعلي في هذه العجالة اذكر بالمواقف المعلنة للأخ الرئيس محمود عباس "أبو مازن" والتي اكد فيها على الدوام سواء للبيت الأبيض ام للمجتمع الدولي او للعالمين العربي والإسلامي وهي ان أي حل سياسي لا يضمن انهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 67 لن يكون مقبولا على شعبنا وقيادته وسيتم رفضه ومواجهته بكل السبل المتاحة ، وهو ذات الموقف الذي يتبناه ويؤكد عليه أيضا رئيس حكومة الشعب الفلسطيني الأخ الدكتور محمد اشتية وجميع فصائل منظمة التحرير والمؤسسات التابعة لها .

ان على إسرائيل ان تعي مضمون رسالتنا والتي تفيد " انه لا حل سياسيا الا بزوال الاحتلال بكافة اشكاله وفي مقدمة ذلك الاستيطان الذي يتفشى كالسرطان في الارض الفلسطينية . كما عليها ان تعي ان القيادة الفلسطينية لن تقبل بحلول هزيلة تحرم شعبنا من حقه في الحرية والاستقلال . ومن هنا فإننا ندعو العرب والمسلمين قيادة وشعوبا الى الالتفات للمخاطر الكبيرة التي تحيق بالقضية الفلسطينية فقد ان الاون لوحدة الصف والموقف اذ ليس من العدل ان يبقى شعبنا يقاتل في الساحة وحيدا ويدافع عن الاقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية بإمكانياته المحدودة وبإرادته التي لا تعرف اليأس .

وفي الوقت ذاته نقول للمجتمع الدولي بأسره : ان استمرار تواطئه مع دولة الاحتلال يضع المنطقة كلها على شفا هاوية وفي ذات الوقت يدفع القيادة الفلسطينية بلا تردد الى اللجوء ل " الدواء المر " والذي لن يكون اقل من تسليم مفاتيح السلطة لإسرائيل والعودة مجددا الى الخندق .