وجود علاقات أوثق بين الصين وأوروبا يمنح الثقة وسط الشكوك الاقتصادية العالمية

برلين- "القدس" دوت كوم- (شينخوا) مع اقتراب عام 2019 من نهايته، يواصل الاقتصاد العالمي السير في اتجاهه نحو التباطؤ.

فقد ذكرت دراسة للحالة الاقتصادية في العالم، تصدر كل ثلاثة أشهر عن معهد البحوث الألماني (إيفو)، أن تقييم الوضع الحالي وكذا توقعات الخبراء الاقتصاديين "شهدا تراجعا بشكل ملحوظ".

ففي أوروبا، شعرت الاقتصادات الكبرى، بما فيها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، إلى حد ما بالرياح المعاكسة للنزعة الحمائية التجارية والقومية الاقتصادية.

وفي وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين، يدعو المحللون في جميع أنحاء العالم إلى علاقات أوثق بين الصين وأوروبا لخلق المزيد من العوامل الإيجابية في المشهد السياسي - الاقتصادي العالمي وبث الثقة في مستقبل العالم.

مشهد اقتصادي قاتم في أوروبا

ذكرت المفوضية الأوروبية في وقت سابق أن الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو من المتوقع أن يتسع بواقع 1.1 في المائة في عام 2019 وبواقع 1.2 في المائة في عامي 2020 و2021 .

ومقارنة بتوقعاتها في يوليو، تم خفض توقعات النمو بواقع 0.1 نقطة مئوية لعام 2019 و0.2 لعام 2020.

وذكرت المفوضية في بيان إن الاقتصاد الأوروبي يشهد الآن عامه السابع على التوالي من التوسع، لكن الكتلة "تتجه على ما يبدو الآن نحو فترة طويلة من النمو الأكثر تواضعا والتضخم المتدني".

وباعتبارها محرك النمو في أوروبا، تتوقع ألمانيا نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة فقط لعام 2019 وواحد في المائة لعام 2020. وفي العام الماضي، نما اقتصاد البلاد بنسبة 1.5 في المائة.

وقال تيمو ولمرشيسر، رئيس بحوث التوقعات في معهد (إيفو) إن النزاعات التجارية التي كانت الولايات المتحدة البادئة بها تعوق أنشطة التجارة والاستثمار العالمية.

وذكر أن "هذا يضر الصناعة الألمانية على نحو خاص بشدة، كونها متخصصة في السلع الوسيطة والرأسمالية. ويواجه قطاع السيارات، وهو أحد الصناعات الرئيسية في ألمانيا، تحديات خاصة".

علاوة على ذلك، يعتقد المحللون أن المرونة التي أظهرها النمو الاقتصادي في فرنسا مدفوعة في الأساس بالطلب المحلي، حيث يتم تعديل توقعات النمو لمعظم الشركاء الاقتصاديين للبلاد بالنقصان وسط ضغوط الحمائية وحالة عدم اليقين المتعلقة ببريكست.

وقال تيم مور، المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في مؤسسة ((آي. إتش. إس ماركت))، إن مسوحات مؤشر مديري المشتريات لشهر نوفمبر "تشير مجتمعة إلى أن اقتصاد المملكة المتحدة يشهد تدهورا خلال الربع الأخير من عام 2019، مع عودة إنتاج قطاع الخدمات إلى الانخفاض بعد فترة وجيزة من الاستقرار".

وفي إيطاليا، من المتوقع أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي فقط بنسبة 0.2 في المائة بالقيمة الحقيقية في عام 2019، مقارنة بنسبة 0.9 في المائة في عام 2019، وفقا لما ذكره المعهد الوطني للإحصاء الإيطالي.

وقال لوكا بوما، أستاذ الاقتصاد الصناعي والسياسات بجامعة فيرارا لوكالة أنباء ((شينخوا)) "أعتقد أننا سنرى تأثيرا كبيرا على قطاعات محدودة، مثل جبن البارميزان، الذي يخضع لضرائب تفرضها الولايات المتحدة".

الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطا

ذكر خافيير نوريغا، كبير الاقتصاديين في مجموعة ((هيلدبرانت أند فيرار)) المصرفية، أنه لا يمكن لأي ركن من أركان الاقتصاد العالمي أن يفلت من الاضطرابات التجارية التي أثارتها الولايات المتحدة.

أما ستيفن بيري رئيس مؤسسة (نادي مجموعة 48) البريطانية، فقال إن العالم يعرف الآن عواقب الإجراءات التي تتخذها واشنطن سعيا للقضاء على عجزها التجارية.

وذكر بيري أن "القضاء على العجز التجاري ليس إستراتيجية قابلة للتطبيق من تلقاء نفسها"، مضيفا أن مثل هذه الإجراءات من جانب واشنطن أثرت على الاقتصاد العالمي.

ولفت المجلس الألماني للخبراء الاقتصاديين، الذي قدم تقريره السنوي مؤخرا، إلى أن "الزخم الاقتصادي الضعيف" من المتوقع أن يستمر "حتى العام المقبل على الأقل".

وأضاف أن تصعيد النزاعات التجارية الدولية سيضر بشدة بالاقتصاد الألماني الموجه نحو التصدير. صرح ماو شيوي شين، الخبير الاقتصادي الرئيسي في مركز بحثي مقره لندن وهو المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، خلال مقابلة أجرتها معه (شينخوا) مؤخرا، بأن التعريفات التجارية المفروضة بالفعل ستخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 0.2 في المائة، مقارنة بسيناريو خط الأساس لا تفرض فيه مثل هذه التعريفات، وأن معدل النمو الاقتصادي البريطاني سينخفض بواقع 0.06 نقطة.

وأشار ماو إلى أن تباطؤ الأنشطة الاقتصادية دفع إلى خروج البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة والناشئة بسلسلة من السياسات التي جاءت كرد فعل على ذلك.

وأوضح أنه "في العالم الناشئ، قام بنك الشعب الصيني بتخفيض نسبة الاحتياطات المطلوبة على مراحل فيما قام بنك الاحتياطي الهندي بضخ حوافز في الاقتصاد مع تخفيضات في معدل سياسته المرجعية. وبعد ذلك، أشار البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفدرالي إلى تأجيل في تشديد السياسات".

دعوة لتعاون أوثق بين الصين وأوروبا

وسط تزايد الحمائية التجارية، وظهور عديد من الأحداث التي قد تؤدي إلى مزيد من تباطؤ النمو العالمي، اقترح المحللون ضرورة أن تقوم الصين وأوروبا بتوحيد جهودهما والعمل بصورة أوثق مع بعضهما البعض.

وقال نوريغا إنه من منظور أوسع قد تكون القضايا التجارية الملفتة أخبارا جيدة للعلاقات الاقتصادية بين أوروبا والصين، اللتين أعربا مرارا عن دعمهما للتجارة الحرة.

وأشار إلى أن أوروبا والصين يمكنهما الاتجاه نحو بعضهما البعض لتجنب التعريفات التجارية التي تفرضها الولايات المتحدة.

وقال بيري إن الاقتصاد العالمي "على حد السكين والصين أصبحت تمثل 30 في المائة من الاقتصاد العالمي. والنمو مسألة حيوية بالنسبة للغرب. ونمو الصين مسألة حيوية بالنسبة للغرب".

وذكر أن الوقت قد حان لبناء عالم جديد قائم على التعاون والتشارك، وهي رسالة بعث بها العالم النامي الجديد.

وأضاف "نحتاج إلى تقاسم أكبر للفوائد. لسنا بحاجة إلى قيام الولايات المتحدة بإعادة بناء الجدران القديمة. نحن بحاجة إلى طرق جديدة للتعاون".

وقال مايكل شومان رئيس الجمعية الاتحادية الألمانية للتنمية الاقتصادية والتجارة الخارجية إن العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والصين متبادلة المنفعة.

وأضاف شومان أن المزيد والمزيد من الشركات الألمانية والصينية مهتمة بالاستثمار في بلد كل منهما الآخر، مضيفا أن هناك أساسا ثابتا للتعاون الألماني الصيني.

وأشار إلى أن الثقة هي أساس تعزيز التعاون بين ألمانيا والصين، مضيفا "والآن من المهم بشكل خاص تحسين فهم الصين في المجتمع الألماني".

وقد صرح رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق جان بيير رافاران لـ(شينخوا) بأن الصين تسهم في تجديد التعددية في عالم يعاني من عودة قوية للأحادية، وفرنسا تشارك أيضا في هذا العمل الدبلوماسي الضروري.

وقال رافاران إن "الأمم اليوم مترابطة للغاية" والتعاون يعد بمثابة "التزام يومي" بين المستهلكين والموردين والشركاء والمنافسين.

وأضاف أن دبلوماسية الصين "مستوحاة من قناعة متأصلة بعمق في الثقافة الصينية - فالمرء يمكنه تحقيق مكاسب أكثر في إطار التعاون منه في إطار المواجهة".

وذكر أن ثمة حاجة إلى ترسيخ الصداقة الأوروبية الصينية، مضيفا أن "العمل تجاه هذه الصداقة يعني العمل من أجل السلام".