عَن الكيانيّة الفلسطينيّة، والمفاهيم الفضفاضة

بقلم:مهنّد ذويب

يمكننا القول إنّه ومنذُ مطلع القرنِ العشرين لم يتوفّر إجماعٌ فلسطينيّ يضمنُ قيام كيانيّة فلسطينيّة مستقلّة وموحّدة. هذا إذا نظرنا وبشكل معمّق إلى الظّروف الدّوليّة التي حالت دونَ إبادة الفلسطينيين كالهنود "الحُمر" تمامًا، فالجريمة الناقِصة، إذا صحّت تسميتها، في العام 1948 لم تَكن استراتيجيّةً مخططًا لها، بل إنّ خروج المجتمع الدّوليّ من الحرب العالميّة الثانيّة التي كانت للتّو وضعت أوزارها بعد ملايين القتلى، وإنشاء ما يعرف بهيئة الأمم المتّحدة حال بشكل أو بآخر من اكتمال الجريمة/ الإبادة، والاكتفاء بإعلان قيام دولة الاحتِلال بعد يوم واحِد مع إعلان إنهاء الانتداب البريطانيّ. ونظرًا لعدم تبلور فكرة استقلاليّة فلسطين تاريخيًا عن العمق العربي والإسلامي، وارتباطها بسوريا الكُبرى ولبنان لم تنشأ حكومة عموم فلسطين إلّا بعد نحو أربعة أشهر على إعلان دولة الاحتِلال، وقد فشلت هذه الحُكومة أو أُفشلت.

في الواقع، مِن الصّعب جدًا التّقرير بأفضليّة كون الصّراع في ذلك الوقت عربيًا/عروبيًا، خاصّة بعد الهزيمة التي منيت بها الجيوش العربيّة أمام "ميليشيات" الحركة الصّهيونيّة أولًا، ثمّ نكسة حزيران وما تلاها، لكنّ مجموعة من العوامِل ساهمت فيما بعد بإخراج العرب من الصّراع دولةً تلوى الأُخرى، وتحويله إلى صراع فلسطينيّ إسرائيليّ. الفلسطينيون تنبّهوا مبكرًا إلى هذا، ولسنا بصدد الحديث في ملابسات تأسيس منظمة التّحرير في البداية، لكنّها وبعد دخول حركة "فتح" إليها استطاعت إيجاد كيانيّة فلسطينيّة لها ملامح شِبه واضحة، وهذه هي التّجربة الأنضج حتّى الآن، وتكلّلت باعترافِ المُجتمع الدّوليّ بها كممثل شرعيّ ووحيد للشّعب الفلسطينيّ، وبذلك استطاعت بالحدّ الأدنى سَحبَ ظلالها، بتعبير درويش، من بلاطِ الحاكِم العربيّ؛ بعدَ أن علّقها وسامًا.

بكلّ الأحوال، لستُ هنا، أيضًا، بصدد مناقشة ظروف وملابَسات القبول باتّفاق أوسلو بعدَ أن أصبحت المنظمة أبعد ما يكون عن فلسطين جغرافيًا، وبعد خذلانٍ مُنيت به من الدّول العربيّة كافّة، لكن يمكننا القول إنّ العودة المنقوصة جدًا، بكلّ ما صاحبها من خذلانٍ وافتقادٍ للمنفى وتشوّهٍ لصورة الوطن، كانت باعتقادي خطوة عرفات الوحيدة للاقترابِ أكثرَ ما يُمكن من الأرضِ المحتلة تمهيدًا لجولةٍ جديدةٍ من الصّراع داخِل الأرض، والذي يمكن بالضّرورة أن يحقّق نتائِج أكبر، وهذا باعتقادي كانَ دافع عرفات الأوّل والأكبر في إعلان الانخراطِ في الانتفاضة الثانية التي دفع حياته نتيجتها، حينَ حوصِر أولًا وحين ادّعى المجتمع الدّولي أنّه حجر العثرة في عمليّة الوصول إلى تسوية سلميّة.

دعونا نتّفق أنّنا تنبهنا متأخرًا جدًا إلى طريقة إدارة الاحتلال للصّراع، ونتفق أيضًا أنّنا كنّا، وربما ما زلنا، محل تجارب للساسة والعسكريين الإسرائيليين؛ لذلك لم تكن، بالنّسبة لي، خطوة نقل السّفارة أمرًا مستغربًا ومستهجنًا؛ لأنّها تتويج للممارسات الإسرائيليّة المدروسة والممنهجة في إقامة جدار الضّم العنصري، واستمرار الاستيطان لفرضه كواقع على الأرض، والانسحاب أحادي الجانب من غزّة، وإغراق الفلسطينيّ بلقمة العيش، وإشغال العرب بأنفسهم، وغير ذلك من الممارسات التي عبّدت الطريق للحديث عن صفقة قرن جاهزة تقريبًا على الأرض، وما هي بالمناسبة، حسب ما أعلن من تسريبات للوضع النّهائي، إلّا مقترحات إسرائيليّة طرحت أوائِل السبعينيات من قِبل أيلون، وتبلورت بعدَ ذلك على يد الجنرال الإسرائيلي غيورا آيلاند، الذي نشرها في مركز بيغن السادات.

الانسِحاب أحادي الجانِب من غزّة، والتّفتت الأخير للكيانيّة الفلسطينيّة

أعلن شارون، رئيس وزراء الاحتلال، في نيسان/2004 نيّته الانسحاب من قِطاع غزّة فيما عُرف "بالانسحاب أُحادي الجانب"، أو "فك الارتباط"، واعتبرت السّلطة الوطنيّة أولًا والمجتمع الدّولي هذه الخطوة مراوغة يقوم بها شارون للاتفاف على خارطة الطّريق. بكلّ الأحوال فقد ابتلعنا نحن الفلسطينيون هذا. وربّما لم نلتفت جيّدًا إلى خطورة هذه الخطوة التي برّرها شارون بأنّها تضمن واقعًا أمنيًا أفضل على المستوى البعيد، إضافة إلى صراحته فيما يخصّ عدم الاستيطان في القِطاع بعكس الضّفة الغربيّة. وأيًّا كانت المبرّرات، فقد ساهم الانقسام في إعطاء الاحتلال المُبررات اللازمة لممارسة سياسة طويلة الأمد من الفَصل والحِصار بما يخدم في النّهاية انفصال قطاع غزّة ككيان مستقل يمثّل الفلسطينيّ أو الدّولة الفلسطينيّة.

ربّما كنّا نرفض تصديق هذا أو التّفكير به. نقفُ مكانَنا أو نجلسُ على مكاتبنا ونقول إنّنا نواجه صفقة القرن، والسّياسة الأمريكيّة وفرض الأمر الواقع، لكنّ الاحتلال يواصل عمله على الأرض لتعزيز انفصال القطاع نهائيًّا وتطبيق الحل الإقليمي كحل وحيد أمام الديموغرافيا التي ستنفجر في وجه سيناء عمّا قريب.

إذن، سنكون أمام كيانين يدّعي كُلٌ منهما فلسطينيّته. كيانٌ في رام الله على ما يتبقّى من ضم الأغوار والمستوطنات، أي في مراكز المحافظات الرئيسيّة، وكيانٌ في غزّة وما يتمّ تبادله/ أخذه من سيناء المصريّة وفق اتّفاقيات بين حماس وإسرائيل ومصر وتركيا على أساس استغلال الغاز الطّبيعي قبالة شواطئ غزّة، مقابل ميناء أو نصف ميناء وبعض الامتيازات .

أسئلة شاهقة وخجولة عن "الوطنيّة"

تحدّثتُ كثيرًا عن جدل امتلاك وإعطاء الأرض، وهذه مسألة مهمّة جدًا؛ فمزاعم الحركة الصّهيونيّة، مثلًا، تقوم على أنّ اليهود سَكَنوا هذه الأرض في يوم مِن الأيام، وهذا ما أعطاهم الحَق في تملّكها، والعودَة إليها، تحت غطاءات عدّة أبرزها الحَق التاريخي والديني. وهذا غير معقول منطقيًا، فامتلاك شعب أو عرق أرضًا في فترة زمنيّة معيّنة لا يعطيه حق الملكيّة التاريخيّة لهذه الأرض؛ لأنّ الملكية لم تنتقل من الخالق أو الصانِع إلى المستحوذ أو المُستغل لهذه الأرض، فهو لم يَصنع الأرض، ولم يخترعها، ولم تنتقل إليه بموجب أيّ شيء، لهذا أعتقد أنه لا يُوجد إنسان على اختلاف أعراقِه، وألوانه، وأصولِه يملك أرضًا مخصوصة، وبالتالي لا أرضَ تنتمي لعرقٍ إنسانيّ مُحدّد.

وهنا أقصدُ الحقّ التاريخيّ، وليس التّملك القانوني الذي ابتكره الإنسان فيما بَعد لينظم أشكال الملكيّة المُختلفة، ولو أردنا جدلًا افتِراض أنّ من يستحوذ على الأرض يتملّكها، ويعود إليها لو بعدَ آلاف السّنين، فإنّه يتحتّم علينا إعادة كل عرق إلى أرضِه الأُولى، والنّظر في تداخل الأعراق، وتزاوجها، وتخالطها، ناهيك عن الاحتلالات التي حدثت عبر التاريخ التي أدّت إلى اختلاط الشّعوب والأعراق، وهذا سيقود إلى حرب عالميّة شامِلة دونَ نتيجة تُذكر، سوى بعض النّتائج المؤكّدة كأحقيّة الهنود الحُمر بأرض الولايات المُتّحدة الأمريكيّة!

لذا؛ أسأل دائمًا: عَن أيّ حقٍ تاريخيّ تتحدث إسرائيل؟ وماذا سَتعني لنا "الوَطنيّة" بعد هذا؟ كأن ننتمي إلى 720 كـم من سيناء، هذا يختلف عن أن ننتمي آنيًّا إلى جزءٍ مما عُرف "مؤخرًا" بفلسطين التاريخيّة، والتي انتمينا إليها بوجدانِنا كاملة. فهل يُمكنني القول إنّ الوطنيّة هي نوعٌ مِن أنواع العنصريّة القائِمة والمُبررة التي يُمكن أن تَختفي وفقًا للأهواء والمَصالح؟ أم أننا نُضفي وطنيتنا على العنصريّة فتصبح انتماءً؟ كيف سنفهم/نبرّر كل هذه المصطلحات/التّصرفات؟، وما هو شَكلُ فلسطين التي سننتمي إليها في الحقيقة، وليسَ في الحُلم؟ ونحن سادة التأقلم والتّبرير، وبكلّ الأحوال إن كان مفهوم "الوطنيّة" عندنا فضفاضًا لهذا الحدّ فلا معنى لأن أتحدّث عن الكيانيّة.

في الذّكرى الثانية والثّلاثين للانتفاضة

ولدتُ، كما قُلت، بعد اندِلاع الانتفاضة بنحو تسعة أعوام، لذا لا شهادة أُدليها. لكنّني أستطيع أن أسأل كيفَ نعيدُ كتابتها بطريقةٍ جديدة، كتابتها بالوعي الجمعيّ حين نفتّش الآن تحديدًا عن استراتيجيّة شامِلة تضمن بالحدّ الأدنى تقليل الخسائر ما يُمكن، وتوحيد ما يُمكن توحيده من بقايا الكيانيّة الفلسطينيّة، ومن بقايا دلالات الكلمة التي تتسرّب كالزئبق من أيدينا: "الوطنيّة"، حين نكتشفُ هلاميّة ما نقفُ عليه جميعًا كعلمانيين أو "كإسلاميين". في الذّكرى الثانية والثّلاثين للانتفاضة ليسَ علينا أن نجرّب مرتين؛ فـ"الشّهداء يُمكن أن يعودوا هذا الأسبوع".