الاتصاف بالفضيلة لا ينمي عذرا للخروج عن السرب

بقلم: الكاتب والمحلل السياسي محمد الخطيب/مخيم قلنديا

انا لست منحازا لفصيل ولن أكون كذلك بل منحاز لفلسطينيتي وقوميتي، فلقد علمت منذ ولوجي سرادق "م . ت . ف" قبل ما يربو على الخمسين عاما ، ان فلسطين ملكا لكل الفلسطينيين وأنها لا يمكن ان تعود الا بجهود الكل الوطني بكافة اطيافه ومسمياته ومضافا الى ذلك الجهد العربي والإسلامي وكل المساندين للعدالة . لذا فإن أي خروج عن هذا الفهم الواقعي والذي لا يخرج عنه الا كل مغرد خارج السرب، اعتبره بؤرة شر يجب استئصالها قبل استفحالها ..

من هنا فإن اغلظت القول فليس كوني منحازا لهذا ضد ذاك ، بل ان جل ما يهمني هو فقط ان يكون الجميع على الخط المستقيم الموصل لهدفنا النبيل، وبالرغم من غلظة قولي الا انني أعي تماما ان من حقي ملامسة الخطوط ولكن ليس من حقي اجتيازها كي لا أقع في القول المحظور (جئنا نكحلها أعميناها) .!!

من هنا أقول ان فلسطين بمفهومها الجغرافي هي فلسطين التاريخية المتعارف عليها دوليا وعربيا وفلسطينيا وليست جزءا من سيناء او الأردن او سوريا او ان جزءا منها ملحقتا بسيناء او الأردن ، لذا فإن أي حلم يراود جهابذة الانتهازية السياسية بأن يكون جزء من سيناء هو بديل لجزء من فلسطين المختطفة يتم الحاقه بها او محاولة الحاق ما تبقى من فلسطين بالأردن ، فإن كل تلك الاحلام لا تعبر بالضرورة الا عن أوهام من نسج خيالات جهابذة الفقه الانعزالي سيما وان التاريخ قد اثبت دون مواربة بأن الشعوب هي التي تصنعه وان الكلمة الأخيرة هي كلمتهم ، وليدرك كل الحالمين بأن كل المسميات تذوي ولا بقاء الا للكلمة الحرة والصادقة ، ولمن لا يعي ذلك فليعد للتاريخ حيث انفجرت هبة اذار - مارس سنة 1955 التاريخية ضد مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين المقيمين بغزة في سيناء وسقط ذلك المشروع ولاك صائغوه السنتهم بفعل شعبنا الذي قال كلمته.

لقد ماتت ثقافة الانعزال والتقوقع منذ زمن ليس بقريب حتى ولو كان ثمة اشخاص آخرين ما زالوا يتحركون لمسافات جد بعيدة عن ثقافة الالتحام ليشكلوا حالة من الانغلاق الدغمائي حول مفهوم ثقافة الامر الواقع ، في الوقت الذي هم فيه في حالة صراع غير قادر على خلق بدائل عملية تتوافق مع الطموح والمستوى الجمعي سيما وان عمالقة الادب الدغمائي لم يعد منهم بقايا ارث الا في بطون كتب التاريخ الذي لم يمتدحهم .

من هنا بات جليا ان مسألة تصاعد الفكر الانعزالي بهدف تصويب الوضع المتهافت – حسب رأي الفكر الانعزالي – نتيجة لأحداث قد خرجت عن الذي يجب ان يكون مما نثر الحاجة الماسة لأي ذرة ثقافة موحدة سواء اكانت دينية او علمانية فاندرجت تلك الثقافة تحت مفاهيم ذات نزعة تعصبية متزمتة (كوزموبولوتية ) اجتاحت الفهم الجمعي وسوغت نزعة الانغلاق المفضي الى الانسلاخ وتشكيل بنية ثقافية تراكمية على الرغم من ضحالتها تمهد الطريق امام خلق شعبين ووطنين وافكارا متباينة الى حد التنافس المقيت والتناحر الذي غذى وما زال يغذي الإحساس بالتباين ما بين هذا وذاك ، حيث أحال أولئك الوضع اليائس ورفض الاخر (الى صك ملكية للاستحواذ على القرار التائه ) .

ولعلي أؤكد ان الهجر المتعمد لثقافة الجمعية يعني دون مواربة ان استمرار حالة الانقسام والرفض لك المقترحات، هي أفعال مقصودة ولم تأت عفو الخاطر او ردة فعل على أفعال غير مستساغة بل انها جاءت بسوء نية ساوى الفعل السيء.

انه لمن العار ان يعكف البعض على ترميم الكرامة المبعثرة بكل ثمن فإنه لا غضاضة البتة في حصر تلك الطقوس في دائرة نسيان الدياجير القديمة كون عدم العمل بذلك يدفع باتجاه ويلات قد افسرها بأنها (وصفة لكوارث آتية) .

ان شواطئ الأمان المرحلية يا سادة لا تشكل ولا بأي حال من الأحوال مرفأ نجاة وهي لا يلجأ اليها سوى الراغبون بالعيش في مجال وهمي يسمونه مرفأ الأمان او الملاذ وهو في الحقيقة فقط (فراغ معيشي) لا يمت للوطن بأي صلة .

وهذا افراز حتمي للواقع الانفصالي الذي احدث فصاما غريبا في سياسة الغوايات التي انغمست في بحور التيه الى حد التعمُد، الامر الذي حفز المارقين الى حد الوله بالرغم من ادراكهم ان هناك بين ظهرانيهم متعطشون الى اطار وحدوي حميمي مع الراحة الكامنة فيه ، ففي الوقت الذي باتت فيه تلك القوة المهيمنة غير قادرة على منح ذلك للجماعات الكبيرة التي بداخلها وفيما اخذ مخزن التضاد يزداد حمية وفيما الاسفافات الفقهية السيادينية الأقرب الى (الميثولوجيا ) حسب تقديري فإن الحنين المتجدد المتلاحق الكامن تحت رماد القسر من شأنه ان يمنح قيمة فعلية لأداء جد صارم في أوقات لا محال قادمة .

وهنا لا يفوتني القول لأولئك المتمترسين خلف قناعاتهم الميثولوجية ، انه لا بد من ان يثوبوا لرشدهم في ظل (لك الطول المرخى وثنيه في اليد) أي ان طرف الحبل الأساس في يد الشرعية التي وإن واربت الا انها ستظل رافعة الراية الجمعية .

انا اقدح واذم واعري كل شخص يتلاعب بمصير شعبنا ووطننا وقضيتنا وكل من يحاول المس بالوحدة الوطنية وبثقافتها الوطنية السامية وانني دائب على بث الثقة وتعزيز الاواصر ضاربا عرض الحائط كل المحاولات الفاشلة في ثنيي عن ذلك كوني حاملا لرسالة وطنية أخلاقية وسأبقى عاضا عليها بالنواجذ (فلا عذر لمن ادرك الفكرة وتخلى عنها) .

ان انفراط الوحدة الوطنية يفتح الأبواب على مصاريعها امام كل العابثين والمتسللين ولا شك عندي ان التغاضي عن هذه الزمرة هو تواطؤ مخزي وليس اداة ترمي لتصويب المسار وعليه فإن مداراتهم وعدم فضحهم يعتبر جريمة بحق الوطن والقضية ومساهمة فعالة في فرط عقد الوحدة الوطنية .

انه لمن دواعي الاسى ان نرى الجهات المختصة تراقب عن بعد كل ما يجري مع نقد خجول ... تلك الانتقادات التي لا تربو عن كونها توبيخ خجول أيضا ، فليس من قبيل الصدفة ان تتخذ مثل هذه الإجراءات كونها موروثة عن سياسة بالية لا تتناسب مع الظروف الراهنة التي تطورت في وسائل الترويج للأفكار السلبية وصناعة الاخبار السلبية مما أتاح لهم ان يمارسوا الاستعمار الذهني المتمثل ببث سموم الخرافة والاسطورة وهيمنتها على الوعي مما الغى تطور الوعي العلمي جراء اصابتهم ب (الثمل المعنوي) .

وحسبي القول في الختام ان هذا الحال لم يمض بلا حزن لكنه حزنا ثقيلا يتلى في محراب الألم الوجودي كونه (ثمرة حنظل لصراع طويل مع الألم) .