الشبكة العنكبوتية.. خيوطٌ واهنةٌ لنَسج الصداقات الوهمية وممارسة الجريمة الإلكترونية

- نحو 2000 جريمة تم تسجيلها لدى الأجهزة الأمنية منذ مطلع العام الحالي

- دعوات لتغليظ العقوبات وإعادة النظر في ما يحتويه القانون من ثغرات

- الصداقات الإلكترونية عابرة للقارات ومُختصون يطالبون بزيادة التوعية بالحقوق الرقمية

- تجارة إلكترونية رائجة يُمارسها محتالون في الأسواق المنتشرة في الفضاء

رام الله - "القدس" دوت كوم - تحقيق خاصّ - مع التطور المتسارع في التكنولوجيا الرقمية والانتشار الواسع لتدفق المعلومات على الشبكة العنكبوتية، وما واكب هذا الانتشار من تصاعد في عمليات التغرير والاحتيال التي يقع ضحيتها الافراد والمؤسسات من سكان الفضاء الإلكتروني الرحب فقد بات وضع القوانين الناظمة والعقوبات المغلظة ضرورة ملحة أملتها الجرائم التي تقع بفعل صداقات وهمية عابرة للقارات سرعان ما يجد عاقدوها أنهم ضحايا لهذا العالم الذي لا يرحم، ما دفع الجهات المعنية إلى المسارعة في معالجة الظاهرة المتفاقمة والحد من تداعياتها، ورفع درجة الوعي لدى مستخدمي أجهزة التكنولوجيا الحديثة، وردع أصحاب النفوس الضعيفة من الاستغلال الخاطئ للتطور التكنولوجي.

WhatsApp Image 2019-12-10 at 9.58.28 AM

"القدس" دوت كوم تحاول في هذا التحقيق تسليط الضوء على الظاهرة، وترصد تداعياتها وطرق الوقاية من مخاطرها.

ما إن أطلت من نافذة "الشبكة العنكبوتية" حتى وقعت في شباكها

الطفلة (ن. خ) لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، ارتأت أن تكون الشبكة العنكبوتية نافذتها للتعرف على أشخاص لا يمتون لها بصلة، تحدثت مع أحدهم، وبعد مرور وقتٍ قصيرٍ طلب منها صورةً شخصيةً لها، ولجهلها وقلة إدراكها أرسلتها على الفور، وبعد مدةٍ طلب منها فتح الكاميرا، وما إن استجابت لطلبه حتى بدأ في استغلالها.

وقعت الطفلة في حيرةٍ كبيرة، لم تجرؤ على إبلاغ عائلتها، فهي من عائلةٍ مُحافظةٍ لا تتقبل أمراً كهذا، فكان الحل أمامها إعلام معلمتها، فاتجهت إليها، وأخبرتها بما حدث معها.

المعلمة تواصلت مع أحد المسؤولين في قسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، وتمّ القبض على ذلك الشخص لتنتهي مشكلة الطفلة من دون افتضاح أمرها، وتمت معاقبة الجاني.

وتقول المعلمة التي رفضت الكشف عن هويتها: "إن كثيراً من الفتيات القاصرات يتعرضن للاستغلال الجنسي عبر التلاعب بعواطفهن، وللأسف فإنهن يمتثلن لأوامر المُبتز خوفاً من ردة فعل الأهالي، التي تتمثل بإجبارهن على ترك المدرسة أو تزويجهن أو تعنيفهن بطرقٍ غير إنسانية".

كلما دفعت مبلغاً قيل لها: هل من مزيد؟

لا يقتصر الأمر على استغلال المراهقين والمراهقات من الأطفال، فقد استدرج أحد المُبتزين الثلاثينية (م. ت)، مستغلاً الفراغ العاطفي الذي كانت تعاني منه.

(م. ت) تعرفت على أحد الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومع مرور الأيام وثقت به، وأرسلت إليه صورها على أمل الارتباط به، الإ أنه سرعان ما تحوَّل إلى وحشٍ بصورة إنسان، فبدأ يُهددها بنشر صورها مقابل مبالغ مالية.

وللأسف، امتثلت الضحية لأوامره مدةً طويلةً، إلى أن علمت عن قانون الجرائم الإلكترونية، فتقدمت بشكوى للجهات المعنية، وتمّ افتضاح أمره، وخضع للمساءلة القانونية.

جرائم ضد الأفراد وأُخرى ضد المؤسسات

f9ddaa73-06a1-4656-a74c-05902a331122

يعرف الناطق الإعلامي باسم الشرطة الفلسطينية العقيد لؤي ارزيقات الجرائم الإلكترونية بأنها "أي فعل يتسبب بضررٍ جسيمٍ للأفراد أو الجماعات والمؤسسات، بهدف ابتزاز الضحية وتشويه سمعتها من أجل تحقيق مكاسب مادية أو خدمة أهداف سياسية باستخدام الحاسوب ووسائل الاتصال الحديثة، مثل الإنترنت".

ويشير إلى "أنّ هناك نوعين من الجرائم الإلكترونية، النوع الأول هو الجرائم التي تُسبب الأذى للأفراد، كانتحال الشخصية، وتهديد الأفراد، وتشويه السمعة، والتحريض على أعمال غير مشروعة. والنوع الثاني هو الجرائم التي تُسبب الأذى للمؤسسات، كاختراق الأنظمة، وسرقة المعلومات الخاصة بالموظفين، واختراق المواقع الإلكترونية والسيطرة عليها".

ويوضح ارزيقات أن الجريمة الإلكترونية هي "جريمة مكتملة الأركان، فهناك جانٍ ومجنيٌّ عليه وأداة الجريمة".

ويذكر أنّ "الجهات الأمنية دأبت على تنظيم العمل لمكافحة الجريمة الإلكترونية ومحاربتها منذ عام 2013، وبعد عامين تطوَّر العمل وأصبح أكثر تقدماً".

وحول كيفية عملها، يبين ارزيقات أن "قيادة الشرطة أنشأت وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية داخل إدارة المباحث العامة، وزوّدتها بالإمكانيات اللازمة من المعدات والضباط المؤهلين والمتخصصين في التعامل مع الحاسوب والشبكة العنكبوتية، لتلقي الشكاوى من الضحايا، وجمع الأدلة، ومن ثم القبض على مرتكبي تلك الجرائم".

ويضيف ارزيقات: "عملنا أيضاً على تنظيم دورات مختلفة للحديث عن الإجراءات التوعوية لكيفية استخدام الإنترنت في المدارس والجامعات وعبر وسائل الإعلام".

ما يُقارب 2000 حالة منذ مطلع هذا العام

وبحسب الإحصاءات الصادرة عن الأجهزة الأمنية، فقد تم تسجيل نحو 502 قضية عام 2015، وفي عام 2016 سُجلت 1300 قضية ، وفي عام 2017 سُجلت 1700 قضية، وفي عام 2018 سُجلت 2020 قضية، وفي هذا العام تم تسجيل ما يقارب 2000 قضية حتى هذه اللحظة".

ويرى ارزيقات أن "العلاقة طردية بين استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية وزيادة عدد الجرائم الإلكترونية"، ويعزو ذلك إلى "الجهل في استخدام هذه المواقع، والتفريط بالمعلومات بسهولة، وعدم الاحتفاظ بالمعلومات المهمة في أماكن يصعب الوصول إليها وتركها في متناول المُبتزين".

c12e5b54-8bc8-4d3d-b43d-72f9e01480b0

هل نجحت العقوبات المغلظة في الحد من الظاهرة؟

يرى مُختصون أنّ قانون الجرائم الإلكترونية أصبح رادعاً منذ إقرار قانون رقم (10) لسنة 2018.

ويبين ارزيقات أنّ "إقرار القانون العام الماضي شكّل رادعاً للحدّ من الجرائم الإلكترونية، خاصة أننا كنا في الماضي نواجه صعوبةً في عملية تكييف قضايا الجرائم الإلكترونية لعدم وجود مواد قانونية تبين كيفية التعامل مع الجريمة الإلكترونية، فقد كُنا آنذاك نتبع للقانون الأردني رقم 16 لسنة 1960، وفي وقت إقراره لم تكن هناك جرائم إلكترونية، ولكنّ الأمر تغيَّر الآن بعد إقرار قانون رقم 10 لسنة 2018، فقد أصبح القانون رادعاً والعقوبات مغلظة".

ويذكر أنّ "أنواع الجريمة الإلكترونية في فلسطين تتنوع بين التهديد والابتزاز وسرقة مواقع التواصل الاجتماعي، وبحمد الله لم ترقَ إلى القرصنة، كقرصنة الأموال، حتى الآن".

وتنص المادة (5) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (10) لسنة 2018 على أنّ "كل من دخل عمداً دون وجه حق، بأي وسيلةٍ، موقعاً إلكترونياً أو نظاماً أو شبكةً إلكترونيةً أو وسيلة تكنولوجيا معلومات أو جزءاً منها، أو تجاوز الدخول المُصرح به أو استمر في التواجد بها بعد علمه بذلك، يعاقَب بالحبس، أو بغرامةٍ لا تقل عن مئتي دينار أُردني، ولا تزيد على ألف دينارٍ أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، أو بكلتا العقوبتين".

وتبين الفقرة 2 من المادة (4) أنه إذا ارتُكب الفعل المذكور في الفقرة (1) من هذه المادة، على البيانات الحكومية، يعاقَب بالحبس مدةً لا تقل عن ستة أشهر، أو بغرامةٍ لا تقل عن خمسمئة دينار أردني، ولا تزيد على ألفي دينار أُردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، أو بكلتا العقوبتين.

وتفيد المادة أنه إذا ترتب على الدخول إلغاء بيانات أو معلومات إلكترونية مخزنة في النظام المعلوماتي، أو حذفها أو إضافتها أو إفشاؤها أو إتلافها أو تغييرها أو نقلها أو التقاطها أو نسخها أو نشرها أو إعادة نشرها، أو ألحق ضرراً بالمستخدمين أو المستفيدين، أو تغيير الموقع الإلكتروني أو إلغاؤه أو تعديل محتوياته أو شغل عنوانه أو تصميماته أو طريقة استخدامه، أو انتحال شخصية مالكه أو القائم على إدارته، يُعاقَب بالحبس مدةً لا تقل عن سنة، أو بغرامةٍ لا تقل عن ألف دينارٍ أردني، ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، أو بكلتا العقوبتين.

وتتمثل العقوبة إذا تمّ الاستيلاء على البيانات الحكومية، حسب الفقرة (3) من هذه المادة (4)، بمعاقبة الجاني بالسجن مدةً لا تزيد على خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار أردني، ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أردني، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً.

قانون رادع

يرى أستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت د. محمد أبو الرب أن "القانون المعمول به حالياً غلَّظ من عقوبة الجرائم الإلكترونية، فالعقوبات السابقة لم تكن رادعة، وتكتفي بحبس مرتكب الجريمة الإلكترونية مدة شهرٍ واحد، في حين أن العقوبات الجديدة تقتضي حبس الجاني مدة سنوات، وهذا الأمر يساهم بشكلٍ كبيرٍ في الحد من الجرائم الإلكترونية".

ويشير أبو الرب إلى أن "زيادة الوعي الإعلامي لحالات الجرائم الالكترونية ساهم في فضح تلك الممارسات، وعزّز الجانب الرادع من خلال نشر تفاصيل العقوبات ونشر الوعي لدى المواطنين".

ويذكر أبو الرب أنّ "الابتزاز الإلكتروني يتمثل بالتصريح وتقديم المعلومات بشكلٍ إراديّ، وعادةً ما يكون من مبدأ الصداقة، أو من خلال الخلايا المنظمة للابتزاز بفتح الكاميرا أمام المجرم، ومن ثم طلب فدية مالية لعدم النشر".

ويلفت إلى أنه "عادةً ما يكون الضحايا من المراهقين بسبب مرحلة المراهقة والشحنات العاطفية الزائدة، أو كبار السن الذين يعانون من الأُمية الرقمية وعدم التعامل السليم مع استخدام التكنولوجيا".

ويؤكد على "أهمية توعية الناس بعدم التصريح عن بياناتهم لأي جهةٍ مجهولةٍ أو إرسال صورهم لأشخاصٍ غير معروفين أو فتح الكاميرا أمام الناس المجهولين، فتلك الأمور تساهم في الحد من حالات السقوط فريسةً للابتزاز المالي أو الجنسي".

ويبين أنّ "التصاعد في الإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية ليس مؤشراً على زيادة الحالات، وإنما هو مؤشر على ازدياد وعي الناس بكيفية الاستفادة من القانون وإقامة الدعاوى القضائية".

ويشدد على أن "الجرائم الإلكترونية ستزداد بسبب دخول أعدادٍ جديدةٍ من المواطنين كل يوم إلى العالم الإلكتروني، وظهور البرمجيات الخبيثة التي أصبحت مؤخراً تنتشر بشكلٍ واسع".

4a8ccd1d-9d18-458f-ba93-706e832bf01d

أهمية التوعية بالحقوق الرقمية والأمن الرقمي

وإعادة النظر في بعض بنود قانون الجرائم الإلكترونية

وأوصت دراسةٌ صادرة عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى" بعنوان "تحديات الحقوق الرقمية في فلسطين" بالتوعية بالحقوق الرقمية، "كونها جزءاً من منظومة حقوق الإنسان"، وكذلك التوعية بالأمن الرقمي، ومواصلة الجهود لتعديل القوانين المقيدة للحقوق والحريات، وإعادة النظر في بعض بنود قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني، وإقرار قانون الحصول على المعلومات.

كما طالبت الدراسة بتخفيض خدمات الاتصالات والإنترنت في فلسطين لتسهيل وصول جميع الفئات لهذه الخدمة، وفضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في مراقبة الفلسطينيين والتضييق على حريتهم في التعبير الحر عن آرائهم، والسعي لإقامة تحالفاتٍ مع المنظمات الدولية المعنية بالحقوق الرقمية الفلسطينية، بما يسهم في الضغط على شركات التواصل الاجتماعي والحكومة الإسرائيلية لوقف انتهاكاتها.

وأكدت ضرورة إصدار تشريعات محلية ودولية تحمي خصوصية بيانات الأفراد من الرقابة والاستخدام الخارج عن إرادتهم ورغباتهم في ظل التسارع التكنولوجي الذي يُتيح للسلطات والحكومات قدرةً كبيرةً في التتبع والرقابة، وما يتسبب به من مساسٍ بالخصوصية وبالتعبير الحر عن الآراء، فضلاً عن تأكيدها ضرورة بلورة استراتيجيةٍ للأمن الرقمي في فلسطين.

التجارة الإلكترونية ورواج ظاهرة الاحتيال

ساهم انتشار التجارة الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة بشكلٍ كبيرٍ في رواج ضاهرة الاحتيال.

ويقول التاجر أحمد بدر: "إن التجارة الإلكترونية تقوم على استيراد البضائع المختلفة، وبيعها عبر الشبكة العنكبوتية إلى المستهلكين".

ويشير إلى أنّ "هناك صفحات متخصصة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لبيع المنتجات والبضائع، التي لا يُرضي كثيرٌ منها المستهلك بعد وصولها إليه".

ويؤكد بدر "أنّ كثيراً من الشركات التجارية تعمد إلى الترويج عن بضائعها عبر الإنترنت، وهذا ما يساعد على ظهور المحتالين، والوقوع في فخ الاحتيال المالي الإلكتروني".

ويشير إلى "أن كثيراً من المواطنين يرسلون الحوالات المالية، ولا تصل البضاعة المطلوبة، أو تصل لكن بمواصفاتٍ أُخرى".

ويوضح أُستاذ الإعلام الدكتور محمد أبو الرب: "كثيراً ما يتم تسويق منتجات غير سليمة من قبل المحتالين، ويحاولون استقطاب المواطنين لشرائها، وهذا يندرج تحت مصطلح الغش والخداع".

ويشدد على ضرورة "عدم إدخال أرقام البطاقات المصرفية لأي موقع الكتروني غير آمن، فهذا يساهم في الحد من حالات السقوط أو الوقوع فريسةً للابتزاز المالي".

ويحذر أبو الرب المواطنين من "الشركات المجهولة التي تدير أعمالها عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، مؤكداً ضرورة التأكد من ماهية الشركة والاستفسار عنها قبل التعامل معها.

23da7a7e-c004-4992-95e4-750adac0127b

الصداقة الإلكترونية.. الحقيقة مختبئةٌ خلف الشاشات

انتشرت في الآونة الأخيرة الصداقة الإلكترونية بين الأفراد، وكانت سبباً في وقوع عددٍ من الضحايا في فخ الابتزاز والتهديد.

تقول الطالبة الجامعية سائدة عمر: "الصداقة الإلكترونية مرغوبة لدى الكثيرين، لكن يجب أن تكون هناك خطوط حمراء وضوابط لعدم الوقوع في المشاكل لاحقاً".

في حين أنّ الطالبة رهام لا توافقها الرأي، وتقول لـ"القدس" دوت كوم: "أوقات الفراغ وانتشار وسائل التكنولوجيا من أهم الأسباب للجوء الشباب إلى التعارف إلكترونياً، وأرى أن تلك العلاقات غالباً ما تكون قائمة على الكذب والاختباء خلف شاشات الحاسوب، فيسهل انتحال الشخصية المرداة بسهولة، إضافةً إلى حدوث مشكلات نحن بغنى عنها لاحقاً".

الصداقة بمعطيات إلكترونية تزيد فرص الخداع

وتبين الباحثة الاجتماعية والتربوية لمى الحرباوي أنّ "الصداقة بشكلٍ عام تحمل معاني إيجابية كبيرة وواسعة بين الأفراد، فهي التي تُوثق العلاقات بين الناس وتعبر عن أصالة الإنسان وتوقه لإقامة علاقات سليمة وبناءة مع الآخرين، فالصداقة هي أساس البناء والتعاون المشترك بين أعضاء المجتمع الواحد".

وتتابع: "عادةً ما تستند الصداقة إلى الثقة المتبادلة والود المشترك بين الأفراد، ولكن للأسف فإنه في كثيرٍ من الأحيان يعتريها الكثير من الأخطاء، ويتكشف خداع أحد الطرفين تجاه الآخر، والصداقة الإلكترونية جعلت هذا الأمر يتزايد، فالكثير من الصداقات تُبنى إلكترونياً، ولا توجد بين أطرافها أي علاقة مباشرة أو معرفة مسبقة، وإنما تستند فقط إلى المعطيات الإلكترونية".

وكشفت دراسة بريطانية أعدها باحثون في جامعة "تونغهام ترينت" البريطانية عام 2015 أنّ الأشخاص الذين لديهم مئات الأصدقاء على موقع "الفيسبوك" معرضون لمضايقات ومحتوى غير لائق، الأمر الذي يتسبب لهم بأضرارٍ نفسية.

وبينت الدراسة أنّ الأشخاص الذين تضم حساباتهم مئات الأصدقاء الافتراضيين أكثر عرضةً لتعليقاتٍ قد تُدمر سمعتهم ، فكلما زاد عدد الأصدقاء يصعب تحديد توجهاتهم وسلوكياتهم.

وذكرت الدراسة أنّ 80% من مستخدمي موقع "الفيسبوك" لديهم في قائمة الأصدقاء أشخاصٌ غير مرغوب فيهم، ونحو النصف تقريباً يسعون إلى تجنب هؤلاء الاشخاص في حال رؤيتهم على أرض الواقع.

مُختصّة: ينبغي أخذ الحيطة والحذر

وترى المختصة في الذكاءات المتعددة الأُستاذة مي قطاش أنّ "الصداقة بشكلٍ عام من الحقوق المشروعة للإنسان، فطبيعة الإنسان الاجتماعية تُحتّم عليه ذلك، لكننا عندما نتحدث عن الصداقة الإلكترونية نجد أن هناك إيجابيات وسلبيات عدة، وبالنسبة للإيجابيات فيمكن أن تكون مُستحبةً للأشخاص الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي، فتكون وسيلةً لهم لتكوين العلاقات مع أفراد من مختلف أنحاء العالم، والتعرف على ثقافاتٍ وعاداتٍ مختلفة".

وحول السلبيات، توضح قطاش: "إن الصداقة الإلكترونية يمكن أن تكون صداقة وهمية، فلا نستطيع معرفة ماهية ذلك الصديق، وإن كان ذكراً أو أنثى، وعادةً ما يعيش صاحبها بعيداً عن الواقع، خاصةً إذا أُصيب بإدمان مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يؤدي هذا الإدمان إلى فقدان بعض مهارات الذكاء الاجتماعي والعزلة عن الواقع".

وتلفت إلى أنه "في كثيرٍ من الأحيان قد تغدو تلك الصداقة وسيلةً للنصب والاحتيال على الآخرين، وقد حذر الأمن العام من ذلك وأكد ضرورة أخذ الحيطة والحذر عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع الأشخاص الذين لا نعرفهم معرفةً شخصية، فكم من منزلٍ سُرق بواسطة معرفة التفاصيل الشخصية الدقيقة للفرد، وكم من فتاةٍ تم ابتزازها بمبالغ مالية بعد سرقة صورها الشخصية".

وتقول قطاش: "بالرغم مما سبق، فإننا لا نستطيع أن نُلغي مثل تلك الصداقات، خاصةً أننا في عصر التطور والتكنولوجيا، لكنّ المطلوب أخذ الحيطة والحذر عند الحديث مع الآخرين".

صداقات عابرة للقارات

وتوافقها الرأي الحرباوي، وتبيّن أنّ "الصداقة الإلكترونية مرغوبةٌ لدى الكثيرين، خاصة إذا كانت صداقتهم العادية محدودةً أو قليلة".

وتلفت إلى أنّ "هذه الصداقة لا تُعنى بالحدود الجغرافية، وعادةً لا تعترف بالجنس أو الهوية، وإنما تتسع لتشمل بقاع الأرض جمعاء".

وتؤكد الحرباوي أنّ "هذا النوع من الصداقة قد يأتي بالمحظور، خاصةً إذا كان الهدف منها الإيقاع بالآخرين أو ابتزازهم أو محاولة النيل منهم أو من سمعتهم، ولهذا يجب على الأفراد أخذ الحيطة والحذر عند التعامل أو الحديث مع الأشخاص المبهمين حتى لا تحدث أُمورٌ لا تُحمد عقباها".