معادلة.... اسرائيل تحتوي انتفاضاتنا!!

بقلم: حمدي فراج

عندما يقفز امامي هذا التاريخ (9/12)، تحضر الانتفاضة الاولى بألقها وبهائها وكمالها و شموليتها رغم الآلام والعذابات التي تسببتها، انتفاضة شعبية عارمة غير دموية، عمدت اسرائيل الى قمعها بكل وسائل القمع التقليدية والمستحدثة، بما في ذلك دبابات تطلق حجارة صغيرة "صرار" على المظاهرات، و تدشين مصانع عصي لكسر عظام اطفالها ، قال وقتها اسحق رابين ان كسر عظامهم سيبعدهم عن المواجهات ستة أشهر .

بعد أقل من اسبوعين على اندلاعها ، استدعاني مدير شعبة المخابرات في بيت لحم انذاك وكان اسمه الحركي "كريم" برتبة ميجر ، رحب بي باسم وليدتي الجديدة "أبو بشرى" كي يوهمني انه يعرف كل شيء بما في ذلك اسم ابنتي التي لم تكن قد تجاوزت اليومين من عمرها، قلت له : تعرف اسم ابنتي لكنك لا تعرف عن اندلاع انتفاضة. رفض ذلك باصرار كبريائي معهود لدى هذا الجهاز الامني ، كان عدد الشهداء قد تجاوز الخمسة عشر شهيدا، لكنه قال ان عددهم لم يتجاوز عدد اصابع يديه، فصححته أن أكثر، فقال : اصابع اليدين والرجلين ، في إشارة غير خافية للمهانة والتحقير. فقلت له انني اسميت ابنتي بهذا الاسم تيمنا با ستبشار الانتفاضة ، وسرعان ما استعرت وتعملقت وبهرت العالم وسلمت اسرائيل انها لن تستطيع احتواءها الا من خارجها .

في ذكرى مرورها الثاني والثلاثين، هناك ما يتم تخطيطه لاحتواء انتفاضة اخرى و هي ما عرف باسم مسيرات العودة على الحدود مع غزة المندلعة بشكل اسبوعي منظم منذ 83 أسبوعا قتلت خلالها اسرائيل ما يربو على ثلاثمائة شهيد والاف الجرحى، التخبط الذي اصاب القيادة في الانتفاضة الاولى ، يصيب القيادة في الانتفاضة الحالية ، كان شعار القيادة الناظم أنذاك: الحرية والاستقلال، في حين ان شعار الشعب في غزة الذي كان يخرج بمئات الالاف احيانا: العودة ، ولهذا حملت المسيرات اسم مسيرات العودة الكبرى.

في الانتفاضة الاولى بمجرد ان لوحت اسرائيل لهم بالاعتراف بالمنظمة سارعوا الى وقف الانتفاضة عبر اشكال وطرائق مختلفة تحت مبررات في معظمها كانت واهية، واليوم توافق اسرائيل على منحهم مستشفى "امريكي" وميناء بحري ومطار جوي ، فهل يغير هذا شيئا من حقيقة ان اسرائيل هي التي تسيطر على قطاع غزة ؟

هل غير معبر الجسر بين الضفة الغربية والاردن من حقيقة ان اسرائيل هي التي تسيطر على الضفة رغم الاسم الجميل الذي اسبغ على الجسر "معبر الكرامة" ؟

لقد ثبت بالملموس ان شعارات الانتفاضات الفلسطينية ، إما انها اعلى من طاقة هذه الانتفاضات وفعالياتها ، او ان القيادات لا تستطيع الاستمرار في التماهي مع هذه الشعارات والانحياز التام الى التضحيات الجسام التي تقدمها الجماهير على مذبح حريتها واستقلالها!

بهروا الدنيا وما في يدهم الا الحجارة / أضاؤوا كالقناديل وجاؤوا كالبشارة / قاوموا وانفجروا واستشهدوا ، وبقينا دببا قطبية صفحت اجسادها ضد الحرارة / آه يا جيل الخيانات ويا جيل العمولات ويا جيل النفايات ويا جيل الدعارة / سوف يجتاحك – مهما أبطأ التاريخ – أطفال الحجارة . .. نزار قباني .