لقاء في نابلس حول انتفاضة الحجارة

نابلس- "القدس" دوت كوم- عماد سعاده- ناقش مشاركون في "لقاء الاثنين الثقافي" الذي تشرف عليه بلدية نابلس ويعقد دوريا في المكتبة العامة، بعضا من الصور المشرقة لانتفاضة الحجارة وذلك بمناسبة الذكرى السنوية الثانية والثلاثين لانطلاقتها.

وتحدثت مديرة الشؤون الاجتماعية في تلك الحقبة، فادية المصري، عن حالة التعاضد والتكاتف والتكافل بين مختلف شرائح ومؤسسات المجتمع في تلك الفترة، وكيف كان يتم التعاون ما بين الشؤون الاجتماعية والمؤسسات المختلفة في توزيع المواد الغذائية والطبية التي يتم استلامها كمساعدات من القرى المجاورة ومن داخل الخط الاخضر على بيوت المواطنين دون استثناء لمساعدتهم على تجاوز فترات منع التجول الطويل والمتكرر من قبل الاحتلال.

وروت المصري كيف كان اصحاب بعض البيوت يعيدون حصصهم من المواد الغذائية كونهم ليسوا بحاجة لها، ولكون ان هناك من هم بحاجة أكثر لها، مقترحين اسماء عائلات فقيرة ومحتاجة لايصالها لهم.

وقالت بأنه كان هناك تكامل وتوزيع مهمات، فمثلا الشؤون الاجنماعية تعمل على توزيع المعونات، ودائرة الاشغال العامة كانت تقوم بازالة المعيقات من الشوارع، والهلال الاحمر والمؤسسات واللجان الطبية كانت تقوم بدورها الطبي والصحي تجاه المواطنين، والبلدية كانت تؤمن الخدمات، في تحد واضح للاحتلال الذي كان يتعمد البطش بالشعب.

وتحدثت المصري عن الدور الذي لعبه مستفى الاتحاد النسائي في نابلس تحديدا في معالجة الجرحى، موضحة ان غالبية الجرحى كان يتم تحويلهم الى مستشفى الاتحاد، خاصة في ظل سيطرة الاحتلال على المستشفيات الحكومية واجبارها على تقديم تفاصيل عن الشهداء والجرحى.

واضافت ان العلاقات بين التنظيمات الفلسطينية في تلك الفترة كانت راسخة وتقوم على الاحترام المتبادل وعدم الاقصاء، وكان الجميع يتحركون تحت العلم الفلسطيني فقط.

بدوره، قال التربوي منذر الخليلي، انه وبحكم عمله في لجنة الامتحانات في التربية والتعليم، كان يتنقل بين مدينتي نابلس وطولكرم، وكان اغلاق الطرق وفرض منع التجول يعرقل عملية التنقل بدرجة كبيرة.

ويضيف انه كان يعود من عمله في مدينة طولكرم الى مدينته نابلس بعد الظهر، ليجد محلاتها واسواقها مغلقة بالكامل، لذلك اصبح مضطرا لشراء الخبز والخضار من طولكرم ويحضرها معه عند عودته الى منزله في نابلس.

وأضاف الخليلي: "شهدنا في السابق مظاهرات واحتجاجات كثيرة ومنذ فترة الحكم الاردني، لكن هذه المرة اتضح لنا ان الامر مختلف، فالاغلاق شامل والالتزام كامل والمعنويات مرتفعة، حتى ان مسلكيات الشباب قد تبدلت، واذكر انه في الحارة التي نسكنها غرب المدينة قام الشبان بتنظيف الحارة بشكل كامل وزراعتها، وهذا ايضا حدث في الحارات الاخرى".

واشار الى ان القرى المجاورة لنابلس كانت ترسل المعونات لسكان المدينة والمخيمات التي كانت تخضع لمنع التجول لفترات طويلة، وكان هناك حالة من التعاضد والتآزر والتكافل المجتمعي.

وقال المربي عبد الكريم عبد الحق، الذي كان يعمل انذاك مدرسا ومديرا في قرى شرق نابلس، بأن الانتفاضة بدأت في المدن ثم انتقلت بعد ذلك الى القرى، ومع فرض حظر التجول على المدينة وايام الاضراب والتصعيد اصبح من الصعوبة بمكان التنقل ما بين القرية والمدينة، وكنا نتنقل بين السهول والوديان لتلاشي آليات الاحتلال والوصول الى اماكن عملنا.

واضاف" كنا احيانا نركب الدواب لنقل اسئلة التوجيهي الى قاعات مدارس الريف".

وتحدث المربي عبد الحق عن بعض الجوانب السلبية التي انتابت المسيرة التعليمية آنذاك، حيث بدأ المعلم يفقد هيبته امام الطلاب تيجة لظروف خاصة، وهو امر تطور مع الزمن ولا زلنا ندفع ثمنه حتى الان.

واشار عبد الحق الى ان المعلمين تعرضوا لقطع رواتبهم لعدة اشهر خلال انتفاضة الحجارة، وهو ما ضيق الخناق عليهم، مشيرا الى انه على المستوى الشخصي عمل بسطة لبيع الفلافل حتى يستطيع تأمين لقمة العيش لاسرته.

من ناحيته قال المهندس سمير الخياط بان اندلاع الانتفاضة الاولى شكل مفاجأة للجميع، وكانت هناك ردود فعل عنيفة من قبل الاحتلال من بينها فرض منع التجول لفترات طويلة، ولكن الناس واجهوا ذلك بالتضامن والتكاتف ومساعدة بعضهم البعض، ويعتبر ذلك من الصفحات المشرقة في سجل الانتفاضة.

وقال الخياط بأن النساء كان لهن دور في توفير الحماية لشبان الانتفاضة، مشيرا الى انه في احدى المرات وفي الحي الذي يقطنه امسك جنود الاحتلال بأحد الفتية، فنزلت زوجته على الفور وتمكنت من تخليص الفتى من بين الجنود واحضرته معها الى بيتنا وظل عندنا الى ان هدأت الامور.

وروى الخياط نكتة حصلت معه، حينما اقتحم جنود الاحتلال حارتهم وطلب منه احد الجنود تنظيف احد الجدران امام منزله من الشعارات. ويقول الخياط "طرق احد الجنود الاسرائيليين الباب وطلب مني ان انزل لتنظيف الحائط من الشعارات فرفضت الاستجابة له متذرعا بأن ليس لدي طلاء او فراشي او مواد لتنظيف الحائط، فما كان من احد الجيران في الطوابق العلوية الا ان صرخ قائلا "ولا يهمك يا جار سارسل لك من عندي طلاء ومواد تنظيف".

من ناحيته قال الكاتب زهير الدبعي، بأن مقاومة أجيال شعبنا بدأت من نهاية القرن التاسع عشر على شكل موجات متتالية، لكن انتفاضة شعبنا عام 1987 وما تلاها كانت اقوى فعل قمنا به في المقاومة ووجدنا انفسنا امام فرص حقيقية للخلاص من الاحتلال او على الاقل كف يده عن التصرف بالارض ومواصلة الاستيطان.

وأضاف الدبعي بأن انتفاضة الحجارة احدثت تغيرات كبيرة على المستوى العالمي، لكن الاهم انها احدثت تغيرات داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه، من بينها ازدياد اعداد الجنود والضباط الرافضين للخدمة العسكرية، كما زاد اعداد الرافضين لبطش الاحتلال، فيما ظهرت اتجاهات لديهم تشكك في حقهم بممارسة هذا النوع من التسلط.

واشار الى ان شعبنا قد واجه كل انواع البطش الاسرائيلي بكل صلابة وقوة ووعي، ولكن ما حصل من جر الانتفاضة الى العسكرة قد حرفها عن مسارها، واصبح كل ابناء شعبنا يدركون ان انتفاضتهم باتت تحت عناوين مختلفة وتحت مظلات دكاكين وقبائل ما يعني اجهاضها.