سيأتي يوم ينعم فيه الفلسطيني بالحرية والحقوق

ثلاثون سنة من التعلّم...

سيأتي يوم ينعم فيه الفلسطيني بالحرية والحقوق

بقلم: حجاي إلعاد*

هناك أمور عدّة يتعلّمها الإنسان خلال ثلاثين سنة من العمل. إليكم ما تعلّمناه نحن في منظّمة بتسيلم منذ 1989:

لقد تعلّمنا المبادئ النبيلة والسّامية التي تشكّل أساس عملنا: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينصّ على ما يلي: "يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في القيمة والحقوق. جميعهم قد وُهبوا فطنة العقل والضّمير ومن هنا عليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء" وكذلك الآية التوارتيّة التي هي مصدر اسم منظّمتنا "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ" (سفر التكوين، إصحاح 1، آية 27).

لكنّنا تعلّمنا أيضًا أنّ هذه المبادئ "يصحّ" خرقُها عوضًا عن تطبيقها حين تنقضّ عليها كتائب من المحامين الإسرائيليّين فيفرغونها من مضمونها ويسوّقونها للعالم على أنّها "عدالة". "أحرار ومتساوون"؟ - لقد تعلّمنا أنّه في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر توجد حكومة واحدة هي التي تديرها وتسيطر على جميع قاطنيها ولكن في معتقدها انّ من يستحقّ الحريّة والمساواة هم الإسرائيليّون فقط لا الفلسطينيّون.

تعلّمنا أنّه لا توجد قطعة أرض فلسطينيّة تفلت من يد إسرائيل التي تتمكّن دائمًا من إيجاد مبرّر للاستيلاء عليها وتسخيرها في أيّ استخدام تبتغيه. كما تعلّمنا أنّه لا يوجد منزل فلسطينيّ يعجز قاضٍ إسرائيليّ عن إيجاد علّة قانونيّة مدروسة لهدمة.

تعلّمنا أنّه لا توجد ضحيّة فلسطينيّة يعجز جهاز الطّمس الإسرائيليّ عن طمس جريمة قتلها بموهبة فذّة - لا الطفل البالغ من عمره 6 أعوام ولا الفتى البالغ من عمره 14 عامًا ولا حتّى أسرة بأكملها. باشرنا التحقيق، لم نجد ما يستدعي التحقيق، لم نعثر على الملفّ، الفاعل مجهول - تختلف التفاصيل لكنّ النتيجة واحدة: يبقى القتل وشتّى أشكال العُنف دون مساءلة ومحاسبة.

تعلّمنا أنّه يكاد لا يوجد جانب واحد في حياة الفلسطينيّين لا تخضغه إسرائيل بشكل تعسفي لإصدار التصاريح أو الحواجز أو الموظفين أو الجنود.

تعلّمنا أنّ الهندسة الديمغرافيّة للحيّز - بواسطة أوامر التهجير أو الهدم - يمكن أن تكون سياسة حكوميّة رسميّة.

تعلّمنا أنّ الفلسطينيّ قد يخلد إلى النّوم ليلًا وينهض صباحًا ليجد جدارًا قد نُصب بينه وبين مدينته. أنّ الفلسطينيّ قد يذهب للنّوم ليلًا ويفتح عينيه فجرًا على جنود يقفون وسط غرفة نومه فوق رأسه ثمّ يأمرونه أن يوقظ أطفاله من نومهم. أنّ الفلسطينيّ قد يستيقظ من نومه على صواريخ إسرائيليّة تسحق منزله وأسرته.

تعلّمنا أنّه لا قعر لحضيض الأخلاق وعمى البصيرة سوى قعر الجحيم وأنّه حتّى مقتل 500 طفل في غزّة لا يثني إسرائيل عن ترداد شعارها "لا أبرياء في غزّة" وأنّهم جميعًا مخرّبون - بما في ذلك الأطفال. تعلّمنا أنّه يمكنهم إطلاق النّار على متظاهرين عُزّل وفي الوقت نفسه التبجّح بأنّهم "أخلاقيّون".

تعلّمنا أنّه يمكن استغلال محادثات السّلام لأجل مواصلة الاستيطان والنّهب والسّلب والهدم والمصادرة. تعلّمنا أنّ الحديث عن "العمليّة السلميّة" ضريبة كلاميّة يحبّ أن يدفعها الجميع. لكن ماذا عن الهوّة السحيقة ما بين الأقوال اللّانهائيّة عن هذه العمليّة والوقائع على الأرض؟ نحن تعلّمنا أنّ مطالب العدالة والحقوق والمساواة أهمّ وأولى بكثير من النقاش حول عدد الدول يصحّ أن تقوم على هذه الأرض.

تعلّمنا أنّ العالم لن يوقف إسرائيل عمّا تفعله إذا فعلت ذلك بما يكفي من التدرّج وإذا صاحت "أمن!" و-"لاساميّة!" عددًا كافيًا من المرّات.

ولكن هناك أمور أخرى تعلّمناها:

تعلّمنا أنّ الفلسطينيّين متشبّثون بالحياة متمسّكون بالأرض ضدّ كلّ الاحتمالات ورغم ممارسات جميع أجهزة الدّولة ضدّهم وأنّهم سيظلون هكذا.

تعلّمنا أيضًا أنّ توقنا الإنسانيّ للعدالة لم يخبُ ولن يخبو حتّى بعد إدراك انعدام فرص تحقيق العدالة عبر أجهزة التحقيق والقضاء الإسرائيليّة.

تعلّمنا أنّ إسرائيل تستطيع محاولة طمس الحقائق وإسكات النّقد ولكن أيضًا أنّ ما تصرخ به الوقائع لا يمكن احتجازه في المطار.

تعلّمنا أنّ الصّحوة والاعتراف بالواقع آتيان لا محالة مهما تأخّرا وأنّه قادم حتمًا اليوم الذي سيُدرك فيه العالم بأنّ الاحتلال لا يمكن إزالته بتوجيه المناشدات المهذّبة إلى المحتلّ وإنّما بالعزم والخطوات الدوليّة الحاسمة.

تعلّمنا أنّه يمكن مليون مرّة القول أنّ هذه الأراضي ليست محتلّة وأنّ المستوطنات شرعيّة وأنّ غزّة ليست محاصرة وأنّه "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطينيّ" - وتعلّمنا في المقابل: أنّ الشّرب من بئر الأكاذيب هذه يسمّم الوعي لكنّه لا يغيّر الواقع وأنّه غدًا صباحًا سنكون بين النهر والبحر هنا، فلسطينيّون ويهود، سبعة ملايين وسبعة ملايين، شعبان ينتظرهما مستقبل مشترك ودروب حياة تتشابك. لأنّه حتّى إذا كانت الأكاذيب لا حدّ لها فسوف يتغلّب عليها الواقع - حين يستيقظ ضمير العالم.

بعد ثلاثين سنة هذه هي استنتاجاتنا المتواضعة. لا تعب ولا كلل ولا خوف نحن مستعدّون للسّنوات الصّعبة القادمة - وللسّنوات الجيّدة التي ستليها حتمًا. تعلّمنا أنّه سيأتي يوم يخلد فيه الفلسطينيّ إلى النّوم ليلًا ليستيقظ على انبلاج نور الصّباح لا على جدار أو جنديّ أو قصف، وأنّ من يستيقظ وإلى جانبه أسرته ينعم بالحرّية والمساواة والحقوق. وأنّ المستقبل الوحيد الحتميّ والمنطقيّ والذي يقبله العقل وتصبو إليه الرّوح هو مستقبل الحقوق الكاملة غير المنقوصة لجميع البشر هنا. وإنّه قادمٌ لا محالة!

*مدير عام مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة - "بتسيلم".