دولة المستوطنين وعاصمتها الخليل

بقلم: رشاد أبو داود

تتسع الهوة داخل المجتمع الإسرائيلي يوماً بعد يوم. نتنياهو والحاخامات المتطرفون يشدون الثوب من جهة ليقيموا الدولة التوراتية المزيفة، والعقلانيون يشدون من جهة أخرى حتى لا تسقط ورقة التوت وتتعرى إسرائيل أمام العالم.

بعد القدس «عاصمة إسرائيل»، جاء وقت الخليل لتكون عاصمة «دولة المستوطنين». والخليل في عرف حاخامات المستوطنين لا تقل «قداسة» عن القدس والهيكل المزعوم خاصة بعد أن ضموها وضمنوها باعتراف ترامب. ففيها مقامات الأنبياء إبراهيم وإسحق ويعقوب وزوجاتهم.

منذ احتلالها العام 1967 أنشأ الاحتلال في الخليل أكثر من 30 مستوطنة، إضافة لنحو 20 بؤرة استيطانية. وفي أنحائها أقيمت عدة مستوطنات وبؤر استيطانية يقيم فيها ما يزيد على 17 ألف مستوطن، منهم 6 آلاف في مستوطنة «كريات أربع» و900 في البؤر الاستيطانية الخمس في قلب مدينة الخليل، بما فيهم طلاب مدرسة اللاهوت المعهد الديني لتخريج الحاخامات.

مستوطنة «كريات أربع» تعتبر أكثر من مستوطنة، فهي أيضاً مقرٌ لحركة «كاخ» الإرهابية. وأيضاً للجمعية الاستيطانية «غوش أيمونيم»، ومنها انطلق الإرهابي الصهيوني باروخ غولدشتاين، لتنفيذ مجزرة الحرم الإبراهيمي التي راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى في فبراير 1994.

قرار وزير الجيش الإسرائيلي نفتالي بينيت مؤخراً، بإقامة حي استيطاني جديد في منطقة سوق الخضار المركزية بالبلدة القديمة من المدينة، والذي تعود ملكيته لبلدية الخليل والأوقاف الإسلامية والأهالي، يندرج في إطار المخططات المتسارعة التي ينفذها الاحتلال لإحكام سيطرته على كافة أحياء الخليل العتيقة.

مدير معهد الأبحاث التطبيقية في القدس جاد إسحاق يقول إن ما تخطط له إسرائيل هو دولتان ولكن على نفس المكان في الضفة الغربية، بمعنى أنه من مساحة الضفة الغربية إسرائيل تخطط إلى أن تعطي المستوطنين حوالي 75% من المنطقة (ج) وهذه تحول الدولة الفلسطينية - إن وجدت - إلى معازل وكانتونات تغطي حالياً ليس أكثر من 50% من الضفة الغربية. وبتنفيذ خطة نتنياهو لضم الأغوار إلى الكيان الإسرائيلي لن يتبقى سوى 25% من أراضي الضفة.

الجناح المتعقل من الإسرائيليين يرون في التنمر الاستيطاني خطراً على وجود إسرائيل الحالي ناهيك عن أن طائفة ناتوري كارتا اليهودية غير الصهيونية تؤكد على لسان الحاخام مئير هيرش أنه «لا يحق للصهاينة تمثيل اليهود وأن ما يسمونه أرض إسرائيل تزييف لتعاليم الدين اليهودي».

وقد كشفت معطيات إسرائيلية رسمية أن جرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية قد تضاعفت ثلاث مرات في العام الماضي، ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن جهاز المخابرات العامة (الشاباك) أن مجموعة من قادة المستوطنين في مستوطنة يتسهار بادروا فور قتل السيدة الفلسطينية عائشة رابي وهي أم لتسعة أولاد، برمي مركبة زوجها بالحجارة إلى انتهاك حرمة السبت بالسفر في سيارة والاجتماع بمجموعة المستوطنين المشاركين بجريمة القتل بهدف إرشادهم كيفية التزام الصمت خلال التحقيق معهم وعدم التعاون مع المحققين بحال تم اعتقالهم. وتبين لاحقاً أن هذا ما فعلوه خلال التحقيق معهم ونشطت جماعات واسعة من المستوطنين لحشد التأييد للقتلة ولممارسة الضغوط على الحكومة للإفراج عنهم، رغم تأكيد «الشاباك» أن هناك اعترافات بتورطهم بالقتل. وبالتزامن أعلن حاخامات من المستوطنات عن دعمهم للمستوطنين الشباب.

المستوطنون أصبحوا عالة على إسرائيل. فقد نقلت صحيفة «هآرتس» عن مسؤول أمني كبير تحذيره من احتمال تكرار جريمة حرق عائلة دوابشة في دوما قبل سنوات على يد «شبيبة التلال» اليهودية قائلاً: «هؤلاء الغلاة الشباب من المستوطنين باتوا أقل خوفاً وارتداعاً من سلطات الأمن وأكثر جرأة على اقتحام البلدات الفلسطينية والاعتداء على سكانها». وحمل المسؤول الأمني مسؤولية ذلك للمحاكم الإسرائيلية التي تصدر أحكاماً مخففة لا تردع المعتدين محذراً من جرائم جديدة خطيرة. وقال أيضاً إن مستوطنة «يتسهار» والبؤر الاستيطانية المحيطة بها باتت وكراً للمستوطنين المعتدين من الشباب داعياً أجهزة القضاء والتربية والرفاه للتدخل ومواجهة الظاهرة.

العرب والعالم يقفون متفرجين على الوحش الاستيطاني ينهش لحم الأرض الفلسطينية. ومن يتحرك لا يهش ذبابة ولا يوقف بيع دبابة لإسرائيل. مثلاً، المحكمة العليا للاتحاد الأوروبي مؤخراً، قانونية وسم البضائع الإسرائيلية التي تنتج في المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة عام 1967، أي الضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان، والتي يتم تصديرها إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وكانت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي، وافقت في نوفمبر العام 2015، على وضع ملصقات على منتجات المستوطنات الإسرائيلية لتمييزها عن بضائع أخرى ويكون بالإمكان مقاطعتها والامتناع عن شرائها.

موقف الاتحاد الأوروبي يؤكد على أن المستوطنات «غير شرعية وعقبة في طريق السلام». لكن.. عن أي سلام يتحدثون هم وغيرهم منذ 1979 فيما إسرائيل تتضخم وتتطرف وتكسب الوقت وقريباً نشهد إسرائيل دولتين إحداهما للمستوطنين!

عن "الدستور" الأردنية