إلى متى ستستمر حالة عدم اليقين في القضية الفلسطينية؟!

بقلم: الدكتورة اماني القِرِم

هل يمكن لمفكر سياسي واحد في العالم أن يتنبأ بما ستؤول اليه الأوضاع في فلسطين المحتلة في العشر سنوات القادمة؟ هل سنحصل على دولة أم نعود الى حال الثورة؟ هل ستحل السلطة في رام الله أم سينتهي حكم حماس في غزة؟ هل ستنشب حرب بيننا وبين اسرائيل وتشتعل المنطقة أم سيبقى كل شيء على حاله؟ هل ستضعف اسرائيل أم تزداد قوة وتقبلا من المحيط الاقليمي؟

لا أحد يعرف ما سيحدث .

هناك حالة من عدم اليقين تخلط المسارات كلها ويصبح معها التنبؤ أمراً شديد الصعوبة. فمثلاً: من كان يتوقع أن يسود الانقسام الداخلي ويملك القدرة على الاستمرار في ظل التحديات والمخاطر التي تمر بها الحالة الفلسطينية في الضفة أو غزة؟ وهل كان أحد يحلم /حتى في أشد كوابيسه قتامة/ أن توهب القدس والجولان الى اسرائيل وتشرع المستوطنات قانونيا وتستمر الحياة عادية؟!

الاف الابحاث أجريت على أسباب الانهيارات المتتالية الحاصلة على صعيد القضية الفلسطينية، ومعظمها ذو نمط متكرر في التحليل يخرج بنتيجة القاء الملامة على هذا الطرف أو ذاك .

حالة عدم اليقين تعني ببساطة عدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث. وهو أمر ليس سهلا في مجال الدراسات الدولية والسياسية لأن الانسان بطبيعته مرتبط بالمتوقع والمعقول وليس العكس، رغم أن الأحداث الفارقة التي تغير مسار التاريخ لا تمت للمعقول أو المتوقع بصلة.

أما عدم اليقين في الحالة الفلسطينية ، فإنه يرجع إلى غياب الوضوح في عدد من العوامل :

- الفاعل المؤثر المحدد: لا توجد سلطة واحدة أو برنامج واحد يحكم القرار الفلسطيني. هناك عدة سلطات: سلطة رام الله وسلطة غزة وسلطات أخرى لفرقاء مجهولين. كلُّ يملك ادوات يمكن بها التخريب على برنامج الاخر. ويمكن لأي فصيل صغير أن يقلب الطاولة رأساً على عقب. وحتى القوانين الدولية لم تعد مرجعية واضحة أكيدة للحق الفلسطيني بعد الاطاحة بها من قبل الراعي الاساسي للسلام، إضافة إلى ضعف الموقف الاوروبي وتأثره بالموقف الامريكي ولو بدبلوماسية منمقة!

- غياب المعلومة الصحيحة: غموض وتدفق واختلاط في المعلومات الصحيحة مع الخاطئة حول كيفية صنع القرار والمواقف في الهياكل السياسية الحاكمة والمؤثرة على القضية الفلسطينية محلية كانت أو إقليمية أو دولية، يجعل من الصعب جدا الوقوف بثبات لاستكشاف مسار واضح نوعا ما خاصة في ظل متغيرات التحالف الحالية ومسألة عدو عدوي صديقي أو عدو صديقي عدوي لم تعد ثابتة .

- غياب ماهية العدو: ليس سرا أن اسرائيل لم تعد هي العدو بالنسبة للظهير العربي. تم استبدالها بأعداء اخرين: ايران والارهاب . وبالنسبة لنا كفلسطينيين يجب أن نجرؤ على التساؤل من أشد فتكاً بنا: الانقسام أم اسرائيل !!

- ثبات تسارع الزمن: الديناميكية والحركة المستمرة هي الحتمية الوحيدة في العالم فسلسلة المفاجئات التي تحدث لا توقف السير أبدا بل بالعكس يمكنها ان تدفع لمفاجئات أكثر. والعالم يتكيف مع المتغيرات الحاصلة ويتفاعل معها بسرعة. فمثلا كان الخارج ينظر الى عقدة الشرق الاوسط على انها الصراع العربي الاسرائيلي . اليوم تفتتت الصورة الى دقائق صغيرة معقدة غابت معها العقدة القديمة وتم تجاوزها وتحييدها لأن الوقت استلزم التعامل مع قضايا مجزأة باتت في نظر العالم أشد إلحاحاً وأكثر خطورة.

من الصعب جدا التنبؤ بما إذا كانت هناك انتفاضة ثالثة، أو التنبؤ بعودة مسار المفاوضات. ننتظر حدثاً يقلب الموازين المتوقعة ويعيد تركيب المشهد لعله ينهي حالة عدم اليقين!