استشهاد الأسير سامي أبو دياك داخل سجون الاحتلال جريمة إنسانية

بقلم: المحامي علي ابوهلال*

بعد معاناة طويلة من المرض وبسبب سياسة الإهمال الطبي التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي تجاه الأسرى الفلسطينيين، أعلنت إدارة مصلحة سجون الاحتلال يوم الثلاثاء الماضي الموافق السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني الجاري 2019 عن استشهاد الأسير سامي أبو دياك.

منذ عام 2015 تعرض أبو دياك لخطأ طبي عقب خضوعه لعملية جراحية في مستشفى "سوروكا" الإسرائيلي، حيث تم استئصال جزءً من أمعائه، وأُصيب جرّاء نقله المتكرر عبر ما تسمى بعربة "البوسطة" - التي تُمثل للأسرى رحلة عذاب أخرى- بتسمم في جسده وفشل كلوي ورئوي، وعقب ذلك خضع لثلاث عمليات جراحية، وبقي تحت تأثير المخدر لمدة شهر موصولاً بأجهزة التنفس الاصطناعي، إلى أن ثبت لاحقاً إصابته بالسرطان، وبقي يقاوم مرض السرطان بدون توفير العلاج الطبي المناسب له إلى أن توفي بعد (17) عامًا من الاعتقال.

ورفضت سلطات الاحتلال كل المحاولات التي جرت مؤخرا للإفراج عنه، لتقديم العلاج الطبي المناسب له خارج السجن، رغم تيقنها من أنه وصل إلى المرحلة الأخيرة من المرض، وأبقت على احتجازه في معتقل "عيادة سجن الرملة" سيئة الصيت، ونتيجة لحملات الضغط الحقوقية والشعبية المتواصلة على مصلحة السجون الإسرائيلية، وافقت سلطات الاحتلال قبل فترة قصيرة من وفاته على تعيين جلسة للمحكمة بتاريخ الثاني من ديسمبر المقبل للنظر في قضية الإفراج المبكر عنه.

وكان الأسير أبو دياك قد ناشد كل الضمائر الحية للتدخل للإفراج عنه، وجاء في آخر رسائله من المعتقل "إلى كل صاحب ضمير حي، أنا أعيش في ساعاتي وأيامي الأخيرة، أريد أن أكون في أيامي وساعاتي الأخيرة إلى جانب والدتي وبجانب أحبائي من أهلي، وأريد أن أفارق الحياة وأنا في أحضانها، ولا أريد أن أفارق الحياة وأنا مكبل اليدين والقدمين، وأمام سجان يعشق الموت ويتغذى، ويتلذذ على آلامنا ومعاناتنا". ويذكر أن، الأسير سامي أبو دياك من سكان بلدة سيلة الظهر في مدينة جنين ومعتقل منذ تاريخ 17 تموز/ يوليو 2002، ويبلغ من العمر 37 عاماً ومحكوم عليه بالسجن المؤبد لثلاث مرات وثلاثين عاماً، أمضى منها 17عاماً.

ارتفاع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 222 شهيداً منذ عام 1967

بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة 222 شهيداً منذ عام 1967وخلال العام الجاري 2019 قتل الاحتلال خمسة أسرى من بينهم الأسير أبو دياك، إضافة إلى الأسرى فارس بارود، وعمر عوني يونس، ونصار طقاطقة، وبسام السايح، في حين بلغ عدد الأسرى الذين قتلتهم سلطات الاحتلال نتيجة الإهمال الطبي المتعمد وسياسات التعذيب التي تنتهجها ضد الأسرى ، (67) أسيراً منذ عام 1967.

وتفيد مؤسسات حقوقية مختصة بشئون الأسرى أن من بين الشهداء، 73 أسيراً استشهدوا بسبب التعذيب على يد المحققين، من بينهم الشهيد عرفات جرادات من قرية سعير قضاء الخليل، كما استشهد (72) أسيراً نتيجة الاعتقال، و(7) أسرى استشهدوا بسبب إطلاق النار والاعتداء عليهم بشكل مباشر على يد الجنود وحراس السجون، و(111) معتقلًا فلسطينيًا استشهدوا داخل سجون الاحتلال منذ الثالث من تشرين أول/ أكتوبر من العام 1991، وهو تاريخ توقيع ومصادقة دولة الاحتلال على اتفاقية مناهضة التعذيب، من بينهم: (56) معتقلاً قتلوا عمداً بعد اعتقالهم من قبل قوات الاحتلال، و(23) نتيجة للتعذيب.

انتهاك جسيم

للقانون الدولي الإنساني

كفل القانون الدولي الإنساني حق الأسيرات والأسرى في المعاملة الإنسانية في المعتقل وفي العيش بظروف خالية من المخاطر، حيث نصت المادة (85) من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه: " ...لا يجوز بأي حال وضع أماكن الاعتقال الدائم في مناطق غير صحية أو أن يكون مناخها ضاراً بالمعتقلين، وفي جميع الحالات التي يعتقل فيها أشخاص محميون بصورة مؤقتة في منطقة غير صحية أو يكون مناخها ضاراً بالصحة، يتعين نقلهم بأسرع ما تسمح به الظروف إلى معتقل لا يخشى فيه من هذه المخاطر."

وكفلت القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء حق الأسرى والأسيرات بتلقي علاج طبي مناسب لوضعهن الصحي، حيث أكدت القاعدة (24) على أن "تتولى الدولة مسؤولية توفير الرعاية الصحية للسجناء، وينبغي أن يحصل السجناء على نفس مستوى الرعاية الصحية المتاح في المجتمع، وينبغي أن يكون لهم الحقُّ في الحصول على الخدمات الصحية الضرورية مجَّاناً ودون تمييز على أساس وضعهم القانوني." ونصت القاعدة (25) في الفقرة:" 1. يجب أن يكون في كلِّ سجن دائرة لخدمات الرعاية الصحية مكلَّفة بتقييم الصحة البدنية والعقلية للسجناء وتعزيزها وحمايتها وتحسينها، مع إيلاء اهتمام خاص للسجناء الذين لديهم احتياجات إلى رعاية صحية خاصة أو يعانون من مشاكل صحية تعوق إعادة تأهيلهم.

إن سلطات الاحتلال بانتهاجها لسياسة الإهمال الطبي تنتهك الحد الأدنى من المعايير المنصوص عليها في المواثيق الدولية فيما يتعلق بالحق في الصحة للأسيرات والأسرى الفلسطينيين، بل وتمعن في انتهاك حقوق الأسرى المرضى والمصابين سواء من خلال إخضاعهم للتحقيق القاسي والمطوّل دون أدنى اعتبار لحالة الأسير الصحية، أو أثناء النقل ما بين السجون والمستشفيات حيث تخضعهم لرحلة طويلة وقاسية تفاقم من معاناتهم، حيث ينقل الأسرى المرضى عبر البوسطة العادية والتي تترك آثاراً صحية وتفاقم حالتهم، ولا يتم نقلهم بسيارات مريحة أو سيارات إسعاف.

وتُمعن سلطات الاحتلال بانتهاك حقوق الأسرى المكفولة بموجب الاتفاقيات والمواثيق الدولية فيما يتعلق بحق المعتقلين بتلقي العلاج اللازم والرعاية الطبية، حيث كفلت اتفاقية جنيف الرابعة في المواد (76) و(85) و(91) و(92) حق الأسرى بتلقي الرعاية الطبية الدورية، وتقديم العلاج اللازم لهم من الأمراض التي يعانون منها، وتنص على وجوب توفير عيادات صحية وأطباء متخصصون لمعاينة الأسرى، حيث تتنصل سلطات الاحتلال من التزاماتها بموجب المواثيق الدولية مما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الصحية للأسيرات والأسرى تؤدي إلى وفاتهم.

وتشكل هذه الانتهاكات الجسيمة بما فيها جريمة قتل الشهيد سامي ابو دياك وغيره من الأسرى جرائم ضد الإنسانية، يقتضي إحالتها فورا من قبل دولة فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها طرفا في المحكمة، لمحاكمة مرتكبيها حتى لا يفلت هؤلاء المجرمون من العقاب.

*محام ومحاضر جامعي في القانون الدولي