فخامة القيصر المأزوم في الشرق المكلوم!

بقلم: يونس العموري

في ظل رقعة الوطن، على امتداده من المحيط الى الخليج، تتكور اجساد الفقراء على الطرقات في محاولة منهم ان يصرخوا ويمارسوا الحب ، ومن بعيد البعيد تتراءى فتاة بكامل هيئتها ومشيتها تقترب اكثر تبحث عن ملاذ للإختباء ويرتسم السؤال على ثغرها ، تحاول ان تعثر على وجه غاضب لعله ينقذ انوثتها الملتاعة بالغضب الساطع المشوه لتقاسيم وجنتيها . في ظل الوطن الموجوع عند شواطىء الأرز الفينيقية ، وبمحاذاة ضفاف دجلة المنهوبة مياهه، والمسروقة حضارته تتعاظم سطوة العمائم بمختلف اشكالها والوانها وتوجهاتها.

في ظل الاوطان الموجوعة المسروقة والمنهوبة والفاقدة لهويتها والمتناقضة مع ذاتها وكينونتها تتكون صورة هذا الشرق المُتلاعب به من كبار اللاعبين المحترفين ذوي المشاريع الأخرى ارباب الأجندات الإقليمية وتلك الدولية والتي بات صاحب الجلاله والفخامة والسيد الكبير والسلطان الحاكم بأمره، آمر الزمان والمكا القبلة الاولى بصرف النظر عن الوجع وعما يسمى بالوطن، والوطن قد اضحى مزرعة مسيجة مسجلة باسم راعي الرعاع الفقراء العاملين كحطابين وسقائين عند زعماء الطائفة والجماعة والحزب والفصيل وهو صاحب العطايا والمكرمات.

وهنا بالارض السمراء سيدة الارض ، سيدة القداسة والقدسية ام النهايات التي لم تعرف حتى اللحظة البدايات ، باتت تئن بالوجع والقهر لتزداد ألما بفعل هذا الاحتلال، والصرخة المكتومة قد أضحت مقموعة وتنتظر امرا ربانيا مفعولا.

في الشرق المأؤزوم لهم ان يطاعوا ويأمروا … هو الحاكم بأمره، وأمره قد يكون تنفيذا لأوامر اخرى تأتيه من وراء البحار … لك الكلام والحديث … ولك الامر ولنا الطاعة وان كنت بالرمق الاخير وفاقدا للاهلية او الشرعية لا فرق. في الشرق المأزوم يجوز للمتربع على عرش الحكاية ان يقول ما يقول بحضرة جعجعة الكلام والقول المبالغ به … و سيد الموقف قرارت فرعونية ليس لها علاقة بالمقدس ذاته … والالياذة هناك مقدسة وبرتوكلات حكماء صهيون مقدسة .. والقداسة ليس لها علاقة بالقبلة الاولى والبيت العتيق والجلجلة.

في حضرة الابخرة والشعوذة واستحضار المدد من العوالم الاخرى يكون الكلام … يتربع بوسط الحضرة شيخ الطريقة ويبدأ بالتراتيل التي من خلالها سيكون برتوكول الوصايا للقادم على منصة التتويج … هكذا كان وهكذا سيكون ….

انتظر… سأورثك مجد القيصر لترتع به كما تشاء، وسأجعل منك اماما عليهم، فقد حانت ساعة توليك امورهم وهم رعاياك وجواريك من النساء، افعل ما شئت بهم او بهن لا فرق…. وسأعلنك اميرا للمؤمنين عليهم، وقد تكون مليكا على عرش جماجمهم، وسيدا لعبيدهم ولن يظهر سبارتاكوس من جديد … والمعادلة بسيطة بقليل من الجوع والتجويع والفقر والقتل سيسود حكمك ولا بد من زبانية يعملون الى يمينك وعسس يسهرون على مراقبة ليلهم وجوعهم، وبرامكة تستقدمهم ليكونوا عونك … وان ابتسموا لا بد ان تعرف من المبتسم وسر هذا الابتسام … وان بكى اخر او غضب او كان عابسا وجب التفسير … وان قبلوا نساءهم بوضح النهار فاعلم ان ثمة خلل في احوال الرعية … وان اعتلى احدهم منصة الكلام وقال بحضرة الليل شعرا فانتبه للقول من اوله فقد يحمل معه مضامين اخرى … واقصد زواريب الطرقات فقد يتجمعون هناك .. ومارس التخريب لنشوتهم .. وان كانوا جالسين على قارعة الطريق فاعمل على تفريق جمعهم … واحذر صعاليكهم فلا تدري متى سيكون غضبهم … اعمل على تخريب فرحهم ولحظتهم بإنسانيتهم … اشعرهم دائما بالدونية .. واجبرهم على تقبيل اليد الممدوة دائما للعطايا … فأنت القيصر والقيصر هو المانح العاطي الواهب القادر … ولا حق لهم الا بما تجود به نفسك وما تقرر به انت وقتما تشاء … واياك والضعف وان يحنو قلبك على صغارهم فغدا سيكبر هؤلاء ليصبحوا الرجال بعهدك … وان اردت ان تتحدث وتخطب فيهم فانتبه ان تكون دائما الأعلى والأوسم والأرقى وخاطبهم بفوقية القيصر وعظم ذاتك.

ايها القيصر العتيد علمهم الإنحناء واجبرهم على فعل الانحناء هذا، حتى يصبح جزء من برتوكولاتهم حينما يصبح اللقاء معك ممكنا، واحرص على تجديد العقاب والثواب واعتمد على العصا الغليظة المغلظة والجزرة التي قد لا يحصلون عليها …. ولا تخلق منهم ابطالا واياك وايداع الرموز بين ضلوعهم وتعلم من التاريخ جيدا، ولا تخلق لهم كربلاء جديدة يحجون اليها ودمر كل معابدهم ودنس مقدساتهم ومعتقداتهم ونصب ذاتك وليا للرب وان ما تقول او تفعل مستمد من شرعية الإله … وقرب من سلطانك دعاة يسبحون بحمدك وبقولك وبفعلك.

اخلق دائما بمواجهة الحسين يزيدا ومعاوية واجعل من واقعة الفتنة والفتن نبراسا ودليلا لحكمك ولأسلوب ادارتك الرشيدة وشدد على اختلاف المذاهب وتعدد التفسيرات ليسود تفسيرك انت وليتصارع الهلال مع الصليب على الدوام وسياسة التكفير واحدة من اقوى اسلحتك وفتكك … وخيب ظن الحسناوات بظهور الفرسان القادمين على صهوات الجياد …. ودمر احلامهن بفحولة الرجال.

واياك من إعادة سيزيف الى المشهد مرة اخرى فقد صنع – ومن خلال صخرته – اسطورة صارت مثالا يحتذى بها لتحدي المستحيل، وحكاية الاسطورة تستهوي العبيد ويطربون على ايقاعاتها.

استعرض امامهم قدارتك وامكانيات بطشك، واعلم ان قوتك من ضعفهم، و علمك من جهلهم، و نهارك ممتعا في ظل سواد ليلهم، وربيعك من خلال خريفهم، لذلك لا تسمح لهم بربيع مزهر يا قيصر الليل .. لا تأبه لنداءت قد تسمعها يوما بضرورة افساح المجال للحريات ولتلك المسماة بالديمقراطية فأنت مصدر كل السلطات ولا سلطة الا سلطتك ولا عرش الا عرشك واياك بعبثهم بدستور يخذلك ويسحب البساط من تحت اقدامك.

ونصب نفسك فرعونا مؤلها بالسيف ومن خلال زبانية يعملون على التذكير باسمك وافعالك بصرف النظر عن طبائعها … ومارس الرذيلة بوضح النهار ولا تأبه لمن يغمسون القلم بالحبر الاسود … فشعبك لا يقرأ وان قرأ ينسى وان لم ينس يخاف … فهؤلاء الرعاع يبحثون عن اللات والعزى وعن هبل جديد ليقبع في البيت العتيق يحجون اليه راكعين.

اجعل من ذاتك امبراطور اللحظة والتقط تلك اللحظة التاريخية واركب اية موجة قد تفاجئك بها الريح المعاكسه وان جاءت غربية فكن غربيا أعجميا اجنبيا وان تناقضت مع اعراف وتقاليد اسلافك، وانظر دائما الى عرشك وحافظ عليه وان كان تحالفك مع الشيطان ضرورة فافعل ما تؤمر به لحظتها واياك واستعداء اباطرة البيت الأبيض ونفذ سياسات يهوذا وان كانت خلسة … فهم ايها القيصر من سيحافظون على عرينك وان كان خشبيا ولا تكشف عن حنقك وغضبك امام سادة العالم فانت دائما من يحتاج له سادة البزنس المتغول … واجزل بالعطايا لهؤلاء السادة وان كان على حساب العبيد من رعاياك …. اعقد الصفقات معهم وامهر توقيعك على كل وثائقهم ولا تدقق بتفاصيل الاتفاقيات فأنت قيصر هنا وحارس أمين لمصالحهم … ولتعلم ان عرشك لن يدوم اذا ما غضب سادة روما واباطرة بلاد العم سام.

يا سيد السادة … ضع الصغير مكان الكبير … وضع الجاهل مكان العالم … وضع التابع في القيادة ... وحينها الويل لأمة مالها عند بخلائها وسيوفها بيد جبنائها وصغار ولاتها.

وان تجمعوا في الساحات وبدأوا بالتكاثر فبادر الى استيعابهم وحاول ان تستعطفهم بمجدك وتاريخك وان هتفوا ضدك وتجرأوا على ليلك وقصرك فاعلم حينها انك لا بد راحل … وأبحث مبكرا عن خلاصك ولا تركن الى اصدقاء او مناصرين … ولا تبحث عن اسباب هزيمتك وتقويض عرشك ففي كل ما قلت اسباب فعلية لزوال ليلك ولا قيصر دون قصر وبطش … ولا تجتهد كثيرا فالكل سيتخلى عنك لحظتها وينفض الجمع من حولك وقد تأتيك ضربة النهاية ليرتسم مشهد نهايتك من حيث لا تحتسب، فحينها ايها القيصر المنتهية ولايته استجمع بقايا عرشك واهرب تحت جنح الليل باحثا عن جحر يأويك … وتهيأ لدق الطبول فقد صار للعبيد حرية انتزعوها من بين انيابك ولا بد من الانقضاض على تاريخك وتاريخ اسلافك … حينها اصمت وادخل ذاتك بغيبوبة الصمت!