انتخاب المجلس الوطني

بقلم: محمد خالد الأزعر

لا يستقيم التناظر بشأن تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية من دون التدبر في شؤون مجلسها الوطني وشجونه. إنه السلطة العليا للمنظمة؛ الذي يصيغ سياساتها وبرامجها، وينتخب رئيسها وأعضاء لجنتها التنفيذية، ولقراراته قوة القوانين الدستورية في النظم المعتادة. إنه قلب العملية السياسية الفلسطينية كما تبلورت منذ 1964.

ومن مؤشرات مكانته السامية هذه، أن أكثر زعماء المنظمة كارزمية، الراحلين أحمد الشقيري ثم ياسر عرفات، ظلا في ذروة مجدهما القيادي حريصين على تحصين تحركاتهما وسياستيهما الفارقة بقراراته.

والحق أن الصفة التمثيلية لهذه المؤسسة المكتسبة من طريقة تشكيلها، هي التي أسست مطولاً لحقيقة تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني وميزة التحدث باسمه وباسم قضيته الوطنية. وعليه، فإن أي توجه لصيانة هذه الحقيقة في الحال والاستقبال، لا بد له من التوكيد على صدقية تمثيل المجلس الوطني للتيارات الفلسطينية الفاعلة سياسياً ومدنياً. ونلاحظ أن تشكيل المجلس الوطني مر بطورين بارزين: أولهما، هو انتقاء أعضائه عبر لجان تحضيرية في مراكز التجمعات الفلسطينية بالدول المضيفة. وثانيهما، هو اختيار الأعضاء على خلفية انتماءاتهم التنظيمية فيما عرف بنظام المحاصصة الفصائلية منذ 1969. مؤدى ذلك أن المجلس لم ينشأ يوماً عن «انتخابات حرة مباشرة»؛ لكن الأسلوبين المذكورين كفلا له إلى حد بعيد الدفع بصحة تمثيله للفلسطينيين. وقد ظل هذا الدفع أو الادعاء مقبولاً لدى كل القوى الفلسطينية والعربية والدولية المعنية لفترة ممتدة، ولم تثر الشكوك في هذا الإطار إلى حين بروز قوى سياسية، وازنة شعبياً، راحت تعمل خارج المنظمة ومجلسها الوطني، على رأسها حركتى حماس والجهاد الإسلامي.

القصد أن انبعاث هذه القوى أدى إلى جرح مفهوم تمثيل المجلس الوطني للواقع السياسي والكفاحي الفلسطيني عبر منظمة التحرير، ونال من هذا المفهوم أيضاً انكماش هذا المجلس وضمور دوره إلى حد الجفاف، وغياب أعضائه بقدر الوفاة أو الشيخوخة أو بإرادة الاعتكاف والابتعاد عن العمل العام.

نود بذلك التوكيد على ملاحظتين: الأولى، أن قيام المنظمة وقعودها، حيويتها وخمولها، من الأمور المرتبطة جبراً وخطياً بإيقاظ المجلس الوطني، وتقعيده على سكة الحضور وأداء وظائفه بانتظام في حدود المستجدات المحيطة به. الثانية، أن عملية إحياء المجلس وتوابعها، لن تكون مجرد استئناف لما انقطع قبل سنين على مستويي الشكل والمضمون؛ البناء والوظيفة. وللإنصاف، فإن مختلف ألوان الطيف الأيديولوجي والسياسي الفلسطيني على وعي بهاتين الملاحظتين. ومن آيات ذلك أن الوثائق الناتجة عن الحوارات والتفاهمات والتوافقات الداخلية بين القوى الأكثر شعبية وقطبية في حركة التحرر الفلسطينية، فتح وحماس بصفة استثنائية، قد اتخذت من تصديق المجلس الوطني للمنظمة بعد إعادة تكوينه، شرطاً أساسياً لمرور أية صيغة لتسوية القضية الفلسطينية يتم التوصل إليها مع إسرائيل. وهناك إجماع على أن بديل هذه المرجعية العليا هو إجراء استفتاء شعبي على صيغة التسوية حال التوصل إليها.

هذه الحيثيات تشفع للانشغال بأحوال المجلس من لدن كل المنغمسين في القضية الفلسطينية. ولكن الاعتراف بالأهمية القصوى للمجلس بالنسبة لحال الفلسطينيين ومآلهم، يضفي تعقيدات على مسألة إحياء هذه المؤسسة، ويثير تساؤلات جوهرية، أبرزها في تقديرنا هو كيف يجري تشكيل المجلس في ثوبه الجديد؟

سيقول البعض، إن المستجدات من حول الوجود الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها، تسمح بإجراء الانتخابات التي يجري بشأنها راهناً جدل جدي، غير أن تقديراً كهذا يبقى في حيز النظرية والكلام المرسل، إلى أن يتم استطلاع رأي العواصم ذات الصلة بشكل رسمي وموثق.

وفي كل الأحوال، يصعب الاعتقاد بأن تطبيق قرار انتخاب أعضاء المجلس وما يترتب عليه، موصول فقط وحصرياً بالإرادة الفلسطينية وحدها. إنه شأن يخص العواصم المضيفة للفلسطينيين وبعض القوى المتغلغلة في قضيتهم الوطنية.

ثم انه حتى إذا ما مر قرار تسيير الانتخابات، بعد أخذ الاحتياطات والضمانات اللازمة، فقد يثور على الفور تدافع بشأن المرجعية الدستورية الحاكمة لوظيفة المجلس الجديد. هل هي إعادة العمل بنصوص والهامات الميثاق الوطني للمنظمة؛ الذي تعرض للهجران وبعض الإلغاء والتجويف، أم إجراء تعديلات محدودة أو موسعة عليه، أم إنتاج ميثاق بديل تماماً في ضوء العوارض والمستجدات؟!

عن "البيان" الإماراتية