«نيويورك تايمز»: فرصة نجاح خطة ترامب وصهره أضعف من أي وقت مضى

نيويورك ـ"القدس" دوت كوم- نيويورك تايمز ـ تتضاءل فرص نجاح خطة إدارة دونالد ترامب المزعومة لإبرام اتفاق سلام في الشرق الأوسط منذ أشهر بسبب المأزق السياسي المستمر منذ فترةٍ طويلة في إسرائيل، ورفض الفلسطينيين التعامل مع واشنطن. لكنَّها تضاءلت إلى مستوى قياسي جديد في الأسبوع الجاري.

إذ ألقى تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، يوم الإثنين 18 تشرين الثاني، بأنَّ الولايات المتحدة لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير شرعية بموجب القانون الدولي، إلى جانب إمكانية إجراء انتخابات إسرائيلية ثالثة لحل الأزمة المستمرة منذ أشهر في السياسة الإسرائيلية، المزيد من الشكوك حول إمكانية نجاح المقترح، الذي طال انتظار إعلانه من ترامب، في حل الصراع الإقليمي المستمر منذ 70 عاماً بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ومع أنَّ بومبيو قال إنَّ وجهة نظر إدارة ترامب بشأن المستوطنات ستجعل تحقيق السلام أسهل، يُصَر الفلسطينيون، إلى جانب العديد من الحكومات الأجنبية والساسة الإسرائيليين، على عكس ذلك. وإذا كانت هناك انتخابات ستُعقَد لتحديد إمكانية استمرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في منصبه، فلن تُجرى قبل أوائل الربيع المقبل.

وفي هذا الصدد، قال إيلان غولدنبرغ -مسؤول ملف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما- الذي عاد مؤخراً من زيارةٍ استمرت أسبوعاً إلى إسرائيل، حيث التقى بمسؤولين بارزين: لا أحد يُصدِّق أنَّ هذه الخطة ستُعلَن. فهي لم تُطرَح ولو مرةً واحدة.

لكنَّ مسؤولي إدارة ترامب يُصرون على أنَّ الخطة التي اكتملت قبل أشهر بإشراف جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره البارز، والتى عرفت إعلامياً بـ «صفقة القرن» ستُعلَن مستقبلاً، بالرغم من فشل التنبؤات السابقة بموعد إعلانها.

فعلى مر الشهرين الماضيين، يؤجِّل البيت الأبيض إعلان الخطة في ظل تنافس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وُمنافسه السياسي الرئيسي بيني غانتس، الجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي، على تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات غير الحاسمة التي شهدتها إسرائيل في 17 /أيلول الماضي.

لكنَّ نتنياهو حاول بالفعل تشكيل حكومةٍ وفشل. وبعد فشل غانتس كذلك من تشكيلها أيضاً، فمن المرجح أن تجري إسرائيل انتخابات جديدة في آذار من العام المُقبل 2020. ويعتقد الكثير من المحللين وبعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية أنَّ ذلك قد يدفع ترامب إلى إعلان خطته وعدم الانتظار حتى تستقر إسرائيل في النهاية على قيادتها السياسية.

ويقال إنَّ كوشنر، الذي كلَّفه ترامب في وقتٍ مبكر من ولاية الرئاسية بتولِّي دورٍ أصبح رمزاً للمشكلات المستعصية، متحمسٌ لفعل ذلك.

يُذكَر أنَّ كوشنر وجيسون غرينبلات، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط والمحامي السابق لمنظمة ترامب، صاغا خطةً ما زالت تفاصيلها سرية، ولكن يُعتقد أنها تنحاز بشدة إلى إسرائيل في العديد من القضايا الإقليمية والسياسية المتنازع عليها منذ فترة طويلة، بما في ذلك المستوطنات الإسرائيلية. ويبدو أنَّ الخطة تحاول تخفيف حدة أزمة الفلسطينيين بضخ استثمارات عربية كبرى في اقتصادهم بترتيبٍ من كوشنر.

معارضة الفلسطينيين أضعفت كثيراً من فرص نجاح الخطة

لكنَّ الفلسطينيين لم يُظهِروا اهتماماً كبيراً بهذه الصفقة، ويرفضون منذ فترةٍ طويلة التواصل مع كوشنر وغيره من مسؤولي إدارة ترامب.

إذ يقول القادة الفلسطينيون إنَّ إدارة ترامب تتبنَّى نهجاً عقابياً تجاه مصالحهم باتِّباعها بعض السياسات مثل الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وقطع المساعدات الأمريكية عن الضفة الغربية وقطاع غزة، وإغلاق قنصلية السلطة الفلسطينية في واشنطن، وتصريح بومبيو الأخير يوم الإثنين، الذي اعتبره الكثيرون تأييداً لبناء المستوطنات الإسرائيلية.

غير أنَّ مسؤولي إدارة ترامب أكَّدوا أنَّ ذلك لن يوقفهم، فيما يقول بعض المحللين إنَّ فريق ترامب مستعد لطرح الخطة حتى وإن كان متيقناً من فشلها فور إعلانها.

إذ قال ديفيد ماكوفسكي، وهو زميل أول في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى عمل في فريق مفاوضات السلام في الشرق الأوسط في إدارة أوباما، متحدثاً عن إدارة ترامب: «إنهم يرون أنها رؤيةٌ أكثر منها خطة». وأضاف أنَّ إدارة ترامب تأمل في إقامة «أساسٍ تاريخي، كي يستطيعوا استخدامه أساساً للمفاوضات المستقبلية في حال إعادة انتخابهم».

وعلى الصعيد السياسي الداخلي، يصور ترامب نفسه على أنَّه شخصٌ ناجح في إبرام الصفقات، بينما يسعى إلى ملء سجله قبل الانتخابات بشيء قد يستفيد منه إذا اعتُبِر أنَّه يُقدِّم مخططاً لحل النزاع.

كلما يتحرك ترامب يصبح حل الدولتين مستحيلاً

فلا شكَّ أنَّ خطةً تتطلب تنازلات أقل من إسرائيل من تلك الخطط التي طرحها الرؤساء السابقون ستحظى بشعبيةٍ بين الجمهوريين المحافظين والعديد من الناخبين اليهود في فلوريدا، والمسيحيين الإنجيليين الذين يدعمون التوسع الإسرائيلي إلى أقصى حدٍّ ممكن.

وفي هذا الصدد، قال آرون ديفيد ميلر -الزميل الأول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الذي شارك في فريق مفاوضات السلام في الشرق الأوسط في عهد رؤساء من كلا الحزبين- إنَّ أي خطة يطرحها ترامب من المرجح أن «تعيد صياغة سياسة الولايات المتحدة بصورةٍ تجعل حل الدولتين مستحيلاً».

فيما قال مارتن إنديك الذي عمل مبعوث سلامٍ إلى الشرق الأوسط لمدة عام في عهد أوباما: «نظراً إلى أنَّ الرفض الفلسطيني للخطة يعد نتيجةً حتمية، وفي ظل عدم وجود حكومة إسرائيلية قادرة على قبول الخطة، فإنَّ إعلانها قبل الانتخابات الإسرائيلية ليس له معنى، إلَّا إذا كانت الخطة منحازةً جداً إلى نتنياهو، وكان الهدف من إعلانها هو مساعدته».

وأضاف: «لكنَّها حينئذٍ لن تكون خطة سلام، بل خطة لمساعدة نتنياهو على إعادة انتخابه».

ولكن حتى بصفتها وثيقة سياسية، فخطة السلام قد تُعرِّض ترامب للمخاطر. إذ حذَّر بعض المحافظين الدينيين البارزين من أنَّ طلب أي تنازل من إسرائيل، لا سيما إذا كان في إطار صفقةٍ تقليدية متمثلة في «الأرض مقابل السلام»، سيكون بمثابة خيانة.

غير أنَّ مايك إيفانز، عضو الفريق الاستشاري الإنجيلي لترامب، ذكر في مقابلةٍ الثلاثاء 19 تشرين الثاني أنَّه لا يتوقع ذلك. إذ قال إيفانز، الذي اتصل به بومبيو بعد وقتٍ قصير من تصريحه بشأن سياسة الاستيطان: «لا أعتقد أنَّ دونالد ترامب شخصٌ يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام. لا أعتقد أنه سيتاجر بالأرض أو يجبرهم على التنازل عن الأرض لأشخاصٍ يريدون قتلهم».

ترامب يشعر بالبرود تجاه نتنياهو وبالحيرة تجاه فشل تشكيل الحكومة

ومن جانبه، قال غرينبلات، في مقابلةٍ مع صحيفة «الشرق الأوسط» عقب عودته إلى العمل في القطاع الخاص في 1 تشرين الثاني الجاري بعدما حل محله آفي بيركوفيتش في فريق كوشنر: «سنعلن الخطة في الوقت المناسب، وفي الوقت الذي نعتقد فيه أنَّ لديها أفضل فرصة في النجاح».

جديرٌ بالذكر أنَّ ترامب نأى بنفسه في أغلب الأحيان عن حالة الجمود السياسي التي أعقبت الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، حين فشل نتنياهو في الفوز بأغلبيةٍ واضحة، مما أسفر عن أشهر من المناورات السياسية منذ ذلك الحين.

وفي أعقاب الانتخابات، تحدث ترامب بلهجة باردةٍ على ما يبدو عن نتنياهو، الذي يعد حليفه منذ فترة طويلة؛ إذ قال في اليوم التالي للانتخابات عندما سئل عن مصير نتنياهو: «علاقاتنا مع إسرائيل نفسها».

وطوال الشهرين اللذين مرَّا منذ ذلك الحين، حاول نتنياهو تشكيل حكومةٍ ائتلافية وفشل، وينتظر الآن نتائج جهود غانتس في تشكيلها. وفي غضون ذلك، يظل نتنياهو رئيس وزراء البلاد، لكنَّه يفتقر إلى التفويض السياسي اللازم لاتخاذ قرارات مهمة.

وبدا ترامب متحيراً من الوضع الحالي في إسرائيل حين ظهر في 12 تشرين الثاني الجاري أمام مجموعة من أنصاره اليهود الأرثوذكس في أحد فنادق مانهاتن. ولم ينشر البيت الأبيض تصريحات ترامب في المؤتمر، لكنَّها ظهرت في مقطع فيديو نُشِر على تويتر.

إذ قال ترامب آنذاك متحدثاً عن الوضع في إسرائيل: «ما نوع النظام الموجود هناك، مع بيبي (نتنياهو) و…. إنهم جميعاً يتعاركون ويواصلون العراك».

وأضاف: «لدينا أنواع مختلفة من المعارك. فعلى الأقل نعرف مَن هو الرئيس. لكنَّهم يواصلون إجراء الانتخابات دون انتخاب أحد».

وصحيحٌ أنَّ العلاقات ما زالت ودية بين ترامب ونتنياهو. لكنَّ بعض المحللين يقولون إنَّ ترامب كان أقل تعبيراً عن المشاعر الودية تجاه الإسرائيليين من القدر الذي ربما كان يتوقعه نتنياهو، نظراً إلى شعبية ترامب الجارفة داخل إسرائيل، حيث يستطيع الفوز هناك بمنصب رئيس الوزراء بسهولة، حسبما قال مازحاً في مؤتمره أمام اليهود الأرثوذوكس.

ومع ذلك، أرسل ترامب إلى نتنياهو خطاباً بمناسبة عيد ميلاده السبعين في الشهر الماضي تشرين الأول، واصفاً إياه بأنَّه «أحد أقرب حلفائي». وبعد تصريح بومبيو ، تحدث الرجلان لأول مرة منذ مكالمتهما قبل الانتخابات الإسرائيلية.

وكتب نتنياهو على تويتر بعد المكالمة الأخيرة عقب تصريح بومبيو: «تحدثت هاتفياً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأخبرته بأنَّه صحَّح ظُلماً تاريخياً».