المستوطنات غير القانونية وغير الشرعية.. آخر عروض ترامب!!

بقلم: الدكتورة أماني القِرِم

في أحدث فرقعة إعلامية سياسية أمريكية، خرج وزير الخارجية الامريكي، مايك بومبيو، معلناً إكتشافه المذهل والمفاجئ بأنه " بعد دراسة الجوانب القانونية" خلصت الولايات المتحدة الى أن بناء المستوطنات لا يتعارض مع القانون الدولي" !!

وقبل الحديث عن الموضوع أود أن أشير -بالنسبة لي على الأقل- أن كل ما يصدر من إعلانات أو قرارات عن إدارة ترامب ليس شرطاً أن يتمتع بالمنطق أو أن يخضع لقياس نظريات العلوم السياسية التقليدية. برأيي هذه الادارة بارعة في عروض تشبه تنزيلات الـ Black Friday أغلى البضائع بأرخص الاثمان من أجل تنشيط / ليس السوق التجاري طبعاً/ وإنما السوق السياسي !!

لطالما اعتبرت قضية المستوطنات تحدياً للسياسة الأمريكية تجاه اسرائيل لسببين: أولاً القيمة المعنوية والاستراتيجية للاستيطان بالنسبة للرؤية الصهيونية، فهي تعد أهم ركائز المشروع الايديولوجي الصهيوني والمدخل لتحقيق "إسرائيل الكبرى". وكان قد حمل هذه الراية البغيضة حزب الليكود منذ وصوله للحكم 1977.

وثانيا: عدم قانونية وعدم شرعية هذه المستوطنات دوليًّا تبعاً لميثاق جنيف الرابع حول قوانين الحرب 1949 والتي تؤكد بوضوح عدم أحقية سلطة الاحتلال في نقل مواطنيها للأراضي التي احتلتها، وأيضاً مجموعة القرارات الدولية المتعاقبة سواء في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو تلك القليلة التي تم تمريرها من قبل الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وكذلك تبعاً لقرار استشاري لمحكمة العدل الدولية 2004 .

وعليه، ورغم تباين سياسات الادارات الامريكية المتعاقبة تجاه قضية المستوطنات حسب طبيعة كل إدارة ومدى اهتمامها بمشاريع التسوية السلمية، إلا أن الموقف الامريكي المشترك لجميع هذه الادارات حتى الأكثر تشددا كان يرى ان المستوطنات عقبة في طريق السلام. فعلى سبيل المثال رأت إدارة جيمي كارتر أنها غير قانونية، فيما تحفظ رونالد ريجان على اعتبارات إدارة كارتر القانونية، ولكنه وصفها بأنها غير مرغوبة واستفزازية، بينما استعملت إدارة جورج بوش الأب المستوطنات كورقة ضغط على حكومة اسحق شامير، الذي كان رافضاً لمبدأ الأرض مقابل السلام، واشترطت تجميد الاستيطان مقابل الموافقة على ضمانات لقروض بقيمة 10 مليارات دولار لاستيعاب المهاجرين من الاتحاد السوفيتي.

وحتى ورقة الضمانات التي كتبها جورج بوش الابن لأريئيل شارون عام 2004 والتي اعتبرت كوعد بلفور ثان ضد الفلسطينيين ( في ذلك الوقت بالطبع لأن ما جاء بعدها يفوقها بمراحل..!) لم تشمل تصريحا واضحاً بشان شرعية وقانونية المستوطنات .

على وجه العموم ، القرار الأمريكي على لسان بومبيو لا يعتبر جديدا بل ربما على ارض الواقع لن يغير من الواقع المعيشي للفلسطينيين شيئاً أو يزيدهم بؤساً فوق بؤسهم، فيما على الصعيد الدولي والأمريكي والاسرائيلي آثاره فعّالة: فهي من ناحية ستزيد من عزلة الولايات المتحدة عالميا لتقف في جهة والعالم في جهة أخرى ، ومن ناحية ثانية ستعزز من الانقسامات بين الديمقراطيين والجمهوريين حول مسألة القضية الفلسطينية وتفاصيلها.

أما من ناحية ثالثة، وهي الأهم بالنسبة لترامب وإدارته، فقد جاء العرض الأخير لتشتيت الانتباه في ظل حالة كساد سياسي أمريكي واسرائيلي على السواء، حيث إدارة ترامب تجاهد - وإن أبدت إعلاميا عدم اكتراث بجلسات الاتهام في الكونجرس/ إلا أنه لا يمكن غض النظر عنها في عام الانتخابات. بينما في الطرف الآخر من العالم حليف يوشك على خسارة كرسي الوزارة .

amaney1@yahoo.com