الانتخابات الأميركية وفرص ترامب!

بقلم: الدكتور عبد المنعم سعيد

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.

وصف الواقع الحالي للانتخابات الأمريكية هي أنها المرحلة الأخيرة فيما قبل الانتخابات الفعلية، والتي تجري فقط داخل الحزب الديمقراطي الذي بدأ سباقه بحوالي ٢٤ مرشحاً، والآن فإن هؤلاء باتوا ١٤ مرشحاً، بعضهم يلفظ أنفاسه الأخيرة وسوف يخرج من السباق قبل الجولة الأولى، ومن تبقى سوف يواجه سلسلة من الانتخابات التمهيدية المتوالية ومن حصل على الأغلبية في النهاية سوف يكون مرشح الحزب في مواجهة «دونالد ترامب» المرشح الجمهوري الذي لا يوجد غيره للبقاء لفترة رئاسية ثانية.

وفي الأمور المعتادة للسياسة الأمريكية فإن الرئيس يبقى في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى؛ وفي العقود الأخيرة فإن ذلك كان حال دونالد ريجان، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن، وباراك أوباما.

جيمي كارتر وجورج بوش الأب خرجا عن هذه القاعدة، وقضى كل منهما فترة رئاسية واحدة لأسباب لا تسمح مساحة المقال بتناولها، ولكن المهم هو التأكيد أن الأمر يحتاج ظروفاً استثنائية حتى لا يستمر الرئيس في منصبه.

ورغم أن هذه الظروف الاستثنائية متوافرة في حقيقة أن الرئيس الأمريكي يواجه في عام الانتخابات عملية معقدة لإقامة الادعاء عليه ومحاكمته بتهمة استخدام منصبه في الحصول على عائد من الدول التي تقدم لها الولايات المتحدة الأمريكية مساعدات مثل أوكرانيا من أجل الحصول على معلومات تكفي لتجريح وهزيمة خصومه من الحزب الديمقراطي، ومن هو في مقدمة السباق الديمقراطي مثل «جو بايدن» عضو مجلس الشيوخ البارز، ونائب الرئيس أوباما لفترتين رئاسيتين.

ورغم أن الضجيج حول هذا يكفي في الظروف العادية لكيلا يعود ترامب إلى البيت الأبيض مرة أخرى، فإن الواقع هو أن هناك عوامل تساعد الرئيس علي البقاء، أولها أن لديه قاعدة صلبة من المؤيدين الذين لم يفقدوا ولاءهم رغم توالي الفضائح وخروج العاملين معه من البيت الأبيض لكتابة مذكرات تدينه في سياساته وأحياناً في عقله. وثانيها أن الأوضاع الاقتصادية الأمريكية حسنة للغاية، وكانت حالتها هذه هي التي أنقذت كلينتون في ظروف مشابهة.

وثالثها، أنه رغم كثرة المرشحين الديمقراطيين، فإن أياً منهم ليس لديه من القدرات على هزيمة ترامب. الوحيد الذي كان محتملاً أن يكون منافساً حقيقياً كان «بايدن» ولكن لا أحد في الحزب الديمقراطي يعتقد أنه قادر على مواجهة الرئيس في حملة انتخابية بالغة الصعوبة.

الديمقراطيون هكذا كانوا في حاجة إلى مرشح يستطيع منازلة ترامب فكان استدعاء عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرج الملياردير الكبير والليبرالي والرجل الذي لم يخسر سباقاً سياسياً من قبل، ولديه سجل حسن في خدمة نيويورك على مدى ١٢ عاماً انخفضت فيها معدلات الجريمة وتحسنت المدارس، وارتفعت السياحة وخفت حدة التوترات العرقية وتضخمت إيرادات المدينة.

الرجل ليس له سجل في السياسة الخارجية واضح، ولكن الشائع عنه أنه برجماتي النزعة، وقد تقلب في صفوف الحزبين الجمهوري والديمقراطي في حياته السياسية ولكنه استقر في الديمقراطي العام الماضي.

وفي الحقيقة أن ترامب كان ولا يزال غير خبير في شؤون العالم، وهو يعتمد كثيراً على غرائزه في مواجهة المواقف المختلفة، ولكن بلومبيرج على الأرجح أنه سوف يعتمد على مؤسسات صناعة السياسة الخارجية. سجله يقول إنه من المؤيدين بقوة لإسرائيل، وأنه دعم بقوة الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣، ولكنه كان من المعارضين للاتفاق النووي مع إيران.

والحقيقة أن بلومبيرج لديه أكثر من سبب لدخول المعركة الانتخابية الرئاسية بالإضافة إلى أنه لا يوجد مرشح ديمقراطي آخر يستطيع هزيمة ترامب، فهو أولاً من كبار الأغنياء في الولايات المتحدة واستثمر أكثر من 100 مليون دولار في آخر محاولة له لكي يكون عمدة لنيويورك، وهو قادر على إنفاق المزيد على حملة رئاسية.

ولكن القضية ليست الإنفاق وحده، وإنما وجود آلة دعائية ضخمة ومؤسسة بلومبيرج القوية، واسم قديم وراسخ في السياسة والاقتصاد الأمريكي.

هل يكفي كل ذلك للنجاح أمام ترامب؟ ربما، ولكن بلومبيرج عليه أن يفوز على الرفاق في الحزب الديمقراطي أولاً!

عن "البيان" الإماراتية