الخمينية استنفدت نفسها..!

بقلم: سهيل كيوان

لم يعد إخفاء الحقائق التي تجري على أرض الواقع سهلا. كان آخر ضحايا محاولة حجب الحقيقة، عين الصحافي الفلسطيني، معاذ عمارنة، الذي يعمل لصالح فضائية "سند"، فقنصتها رصاصة جندي احتلالي حاقد، إلا أن ما هو أهم من الفضائيات وأخطر، هو الهاتف الذي صار بمتناول كل مواطن ومواطنة وفتى وطفل، وصار بإمكان كل واحد من أبناء الشعب أن يلعب دور الصحافي، فيلتقط الفيديو أو الصورة ثم يحمّلها في مواقع التواصل الاجتماعي، مثل "توتير" و"فيسبوك" وغيرها، لهذا صارت أنظمة القمع المهزوزة تسارع إلى حجب شبكة الإنترنت عن المواطنين لتحول دون انتشار ما يحدث، ولمنع انتقال شرارة الاحتجاجات من منطقة ومدينة إلى أخرى، وهي بهذا تسعى إلى عزل المناطق والمدن عن بعضها البعض، في محاولة لإشعار المنتفضين بالإحباط، وبأن لا أحد يسمعهم أو يراهم، وبأن صوتهم لا يتجاوز حناجرهم.

الحجة الجاهزة لقطع شبكة الإنترنت هي أن أعداء الوطن يستغلون هذه التقنيات للإضرار بمصلحة الوطن والشعب، وتسرع أنظمة القمع إلى وصف مواطنيها المنتفضين بالمخرّبين، فعندما يفيض صبرك وتخرج غاضبا وشاهرا احتجاجك على غلاء الأسعار وتغلق شارعا لمدة ساعة، تصبح مخربًا ومدسوسًا من قِبل دولة معادية، بحسب رأي هذه الأنظمة القمعية.

كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في لبنان هي إضافة تعرفة على استعمال تطبيق المراسلة "واتساب"، أما المنساس الذي نخز البعير في إيران فهو ارتفاع أسعار الوقود، إذ انطلقت مظاهرات صاخبة في عشرات المدن الإيرانية، فأسرع النظام إلى إغلاق عيون العالم عبر حجب الإنترنت عن معظم المناطق.

الحراك الإيراني في الأيام الأخيرة يذكّر بما جرى قبل أقل من عامين في هذا البلد احتجاجًا على رفع الأسعار وهبوط مستوى المعيشة، والذي نجحت قوات الأمن في قمعه، إلا أن ما يجري للمرة الثانية خلال أقل من عامين، يقول إن الشعب بات أكثر جرأة في التعبير عن غضبه ورفضه رغم شدة القمع، ويقول إن تحت الصمت والهدوء الظاهر على السطح يوجد غليان شعبي في الأعماق ينتظر فرصته للانقضاض على نظام حكم "آيات الله" والتخلص منه أو على الأقل عزل رجال اللاهوت عن إدارة الدولة.

الشعب الإيراني مثل بقية شعوب الأرض يريد الحياة، وليس مجرد حياة، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

إضافة إلى مستوى الحياة الذي يحلم الشعب به، فهو يطمح وهذا هو الأهم إلى الحرية، فالنظام الديني الغيبي الذي يقف على رأسه "آيات الله" استنفد نفسه، ولم يعد مقنعًا للناس، رغم ما يحاوله النظام من تخفيف قيود التزمّت، مثل السماح للفتيات بمشاهدة مباريات كرة القدم، إلا أنه نظام بعيد عن روح العصر في جوهره، عصر الحريات الشخصية وحقوق الإنسان والانكشاف على العالم والتكامل معه، فلا يعقل أن يرى الإيراني ما يجري حوله في العالم بينما لا يزال يعيش في الزوايا المظلمة وفي قمقم أصحاب الفتاوى وطاعة أولي الأمر حتى إن كانوا في حالة من الهذيان السياسي والفشل الاقتصادي.

في الوقت الذي يعاني غالبية الشعب الإيراني من الفقر، يلقي النظام بثقله في العراق، ولبنان، وسورية، واليمن، في سعي بات واضحا لنشر مذهبيةٍ لا تعني إلا طبقة اللاهوت الحاكمة ومريديها ممن يقدسونها ويرون في أئمتهم "ظلال الله" على الأرض.

الشعب الإيراني بغالبيته يطمح للعيش بحرية وحياة عصرية، ولم تعد تعنيه طموحات "آيات الله" المذهبية المبينة على الخرافات، وعلى مواصلة الندب على ما حدث منذ قرون لآل البيت في كربلاء واستثماره سياسيا في العصر الحديث.

صحيحٌ أن المسؤول الحالي عن الوضع الاقتصادي المتردي هو الحصار الأميركي والدولي، وقبله كانت الحرب الطويلة مع العراق، ولكن التمدّد المذهبي في المنطقة يتحمل وزرا كبيرًا في تردي مستوى حياة الشعب الإيراني.

شعارات الموت لأميركا وإسرائيل لم تعد مقنعة للشعب، فما يجري في الواقع هو استنزافٌ للشعوب العربية ولمقدرات الشعب الإيراني خدمة لمعارك "آيات الله" الذين يسعون إلى تصدير الخمينية من عمائمهم إلى خارج إيران.

من المهم جدا الملاحظة بأن انتفاضة الشعب الإيراني تزامنت مع انتفاضة شعبيِّ العراق ولبنان التي يشارك فيها الشيعة مثل السّنة وغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى، وهذا يعني أن قطاعات واسعة من الشعب الإيراني ترفض هذه العربدة الخمينية في المنطقة وتريد لإيران أن تهتم بشؤونها الداخلية وتحسن وضع الناس المعيشي.

هذا يعني أن شعار "كِلُّن يعني كِلن" موجّه أيضا للنظام الإيراني ضمن أنظمة المنطقة الفاسدة، فالحرية هي مطلب شعوب المنطقة، وشعارات مقاومة أميركا وتدمير إسرائيل لم تعد تغطي عورات أنظمة التخلف والفساد والقمع والأحقاد المذهبية.

فالاحتلال كارثة على الشعب الفلسطيني، ولكنه لا يبرر قمع الشعوب العربية والإسلامية وإفقارها، والحقيقة أن الشعوب الحرة هي القادرة فقط على مقاومة الاحتلال بنجاعة، والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في محنته.

عن "عرب ٤٨"