يوميات غزة

بقلم: محمد عزايزة

الثلاثاء، 12 تشرين الثاني، الساعة السادسة إلا ربعا صباحًا، يرن جرس الهاتف على غير عادة، سائق التاكسي الذي يوصل الأولاد إلى المدرسة. "صباح الخير اليوم ما في مدرسة". سألته لماذا؟ قال اغتالوا بهاء أبو العطا وأعلنت الوزارة تعليق المدارس.

على جرس الهاتف استيقظ ابني كريم، طالب بالصف الثالث الابتدائي، وسألني من الذي اتصل؟ أخبرته أنه السائق يحيى ويقول إنه لا يوجد دوام مدرسي اليوم. ابتسم كريم ابتسامة عفوية كأنه حصل على مكافأة، ولم يكلف نفسه ليسأل لماذا لا توجد مدرسة اليوم؟

خلال هذه المحادثة القصيرة، كنت أفتش صفحات الأخبار لأعرف ماذا يجري، وخلال دقائق معدودة عرفت أننا أمام تصعيد جديد، ربما يشبه التصعيد السابق، وربما لا.

مع صوت الانفجار الأول في محيط المدينة، بدأت وجوهنا تختلف، وبدأت المشاعر أيضا تختلف، وحتى ابتسامة كريم العفوية استبدلها بمعالم الخوف والقلق، ليسأل حينها ماذا هناك؟ هل هي الحرب يا بابا؟ قلت له لا، ليست حربًا، لا تقلق سيكون كل شيء على ما يرام.

لم أكن متأكدًا من إجابتي، ولا أعرف كيف سأشرح لولدي الصغير طبيعة الحياة في غزة، فنحن في غزة أمرنا ليس بأيدينا، ننام على واقع، ونستيقظ على واقع آخر. وكلما سمعنا صوت انفجار جديد، تبدأ الأفكار تجول في عقل كل واحد منا: أين هذا القصف؟ من الذي فقد حياته؟ من الذي أصيب؟ وفي الوقت ذاته، تلاحقك نظرات أطفالك في كل مكان، نظرات كلها خوف قلق، نظرات تتوسل إليك، وتقول لك احميني من الخوف والموت، لكنك لا تملك من أمرك شيئًا.

أين ستذهب بهم في غزة؟ لا يوجد ملجأ ولا يوجد مكان آمن. إنه الإحساس اللعين الذي ينتابني مع كل جولة تصعيد. إنه قلة الحيلة والإحساس بالعجز أن تحمي أعز ما تملك على وجه الأرض. إحساس العجز لا يوصف، تحاول أن تهرب منه من غرفة إلى غرفة، تحاول أن تكسب بعض الوقت من المرح والتسلية مع أبنائك. لكن مع كل صوت انفجار، تعود النظرات ذاتها لتذكرك أنك تعيش في غزة. تعود وتسترجع في شريط الذكريات كل الأمنيات وكل التحديات في الدنيا، تعيد بذاكرتك ما أنجزته وما تخطط لأن تنجزه، تتذكر أن الموت لا يؤلم الأموات ولكنه يكوي الأحياء.

مع فجر الخميس وفي اليوم الأخير للتصعيد، استيقظت على صوت انفجار هز أرجاء مدينة دير البلح. الساعة الواحدة والنصف وقع انفجار ضخم، تفقدت الأولاد وتنهدت تنهيدة المنتصر لأنهم لم يستيقظوا، وسأعفى من تلك النظرات. سألت نفسي، هل سينتهي هذا الكابوس؟ وفي الوقت ذاته سمعت صوت سيارات الإسعاف تتحرك، ومعها بدأت الأخبار تنتشر كالنار بالهشيم.

لقد جرى قصف منزل فوق رؤوس ساكنيه. إنها عائلة السواركة في دير البلح، 4، 5، 6 فقدوا حياتهم بينهم أطفال.، انتشرت صور لمواطنين مثلي، يبحثون بين الرمال عن المفقودين، ينتشلون أطفالا من على فراش النوم ويرسلونهم إلى فراش الموت من دون أدنى رحمة، وكأننا نعيش في عالم فضائي أو في كوكب آخر.

بقيت مستيقظًا حتى الصباح، وحين تكشفت الجريمة مع شروق الشمس، كانت الصدمة. إنها عائلة لا حول لها ولا قوة، أعرفها جيدًا كوني من سكان هذه المدينة. عائلة بسيطة تعيش في بيوت من الصفيح، يعاني أفرادها قسوة الحياة حتى من دون الحاجة إلى طائرات إسرائيلية تقتلهم.

يستخرجون جثثهم من بين الأنقاض ومن تحت التراب. طفلان أحدهما لم يتجاوز شهرًا من العمر، وبنت ما زالت في ربيع العمر بقيا أحياء، تلاحقها كاميرات الصحافيين في المستشفى، يسألونها عما حدث، وما هو شعورك؟ وأجد نفسي أسبقها في الإجابة وأقول لا أعلم ولا أدري ماذا حدث. فقدت عائلتي وأنا وحيدة لا أملك من أمري شيئا! لماذا قصفونا؟ قالت الطفلة، كنت خائفة ولم أنم، هربت مع القصف الأول وبعدها تحول المكان إلى دمار. لن أرى أبي وأمي وأخوتي بعد اليوم. لقد ذهبوا جميعًا. تسأل نفسك، ماذا حدث؟ لماذا يقصف الجيش هذه العائلة؟ ليطل عليك الجيش ويفيد بأن ما حدث كان خطأ! خطأ؟ لا، إنها خطيئة كبرى وجريمة ستبقى شاهدة على ضمير المجتمع الدولي، الذي لن يحرك ساكنًا بالتأكيد.

كل تجربة تخوضها تكون مفيدة في استخلاص العبر. كذلك هي الحرب على غزة، تجعلك تستخلص عبر أن الحياة رخيصة وبلا قيمة، وفي محصلتها معادلة صفرية. ربما تكون أنت الهدف القادم بطريق الخطأ، أو بطريق الصدفة أو بأي طريق تشاء. ولكن بالتأكيد، أنت معرض لتكون هدفًا. حينها تبدو أمامك الحياة كشيء بلا معنى. عملك الذي تحب، الأصدقاء، أغراضك، مقتنياتك، ملابسك، ضحكة أبنائك، بيتك، مزروعاتك، وحتى قهوة الصباح، رخيصة وبلا ثمن.

وضعت الحرب أوزارها، ولا نعلم ربما الجولة التالية تكون قريبة. عدنا إلى "حياتنا الطبيعية"، فما زالت الكهرباء متوفرة 8 ساعات فقط ثم تنقطع، وما زلنا نعاني من مشكلة مياه الشرب المزمنة، وما زال معدل الفقر والبطالة في تصاعد، والوضع الاقتصادي كارثي، وما زلنا نعيش أزماتنا الاقتصادية والنفسية.

تحاول إسرائيل أن تغمض عينها، ومعها العالم، عن الواقع وتتعامل مع أعراض المشكلة. تحاصر إسرائيل منذ سنوات طويلة قطاع غزة، هذه المنطقة التي تعد ذات أعلى كثافة سكانية في العالم، تحولت إلى سجن كبير يطلب من ساكنيه أن يتحملوا مسؤولية أعباء حياتهم دون أدنى دعم أو مسؤولية أخلاقية من أحد. وطالما استمر الحال على ما هو عليه، ستبقى المعادلة صفرية ولن تكون هناك قيمة لشيء.

إذًا، ما هو الحل؟ أول شيء يفكر به السجين هو الهروب والتخلص من السجن. هل أفعل كما فعل صديقي وأهرب إلى أوروبا؟ هناك، سوف يستيقظ أبنائي بأمان، سوف يركبون دراجاتهم الهوائية ويذهبون كل صباح إلى المدرسة دون خوف أو قلق، في بلدان يحكمها العدل والمساواة والقانون؟ أم أنتظر دوري في غزة لأكون الهدف القادم؟

رغم كل ما ذكر، وقساوة المشهد، إلا أن غزة تعيش في قلوب الغزيين، الذين يتوقون للحرية والعيش بسلام، وينظر أطفالها إلى غد أجمل، ويتطلعون إلى بناء مستقبلهم، وزرع الحياة والأمل فيها من جديد.

عن "عرب ٤٨"