يعانون بصمت وأعدادهم بالآلاف.. مرضى حساسية القمح يطرقون جدران الخزّان!

* هجوم مناعي يُفقد الأمعاء الدقيقة وظيفتها

* ارتفاع أعداد المصابين دفع "الصحة" للتفكير ببناء قاعدة بيانات لهم

* مطالبات بأن تُراعي المنتجات الفلسطينية حاجات المُصابين والبضائع الأجنبية أسعارها عالية

* معاناتها من المرض وراء تأسيسها جمعية خاصة للعناية بالمُصابين به

رام الله- خاص بـ" القدس دوت كوم

يعاني العديد من الأشخاص بسبب مرض حساسية القمح أو ما يُعرف بمرض "السيلياك"، وهو عبارة عن تفاعل تحسُّسي ينشأ لدى المُصاب بسبب حساسية البروتين لمادة الجلوتين الموجودة في القمح ومشتقاته.

ومما يُفاقم معاناة الكثير من الأطفال والنساء والرجال المُصابين بحساسية القمح في فلسطين تدني الوعي بهذا المرض، وارتفاع تكاليف المنتجات الخالية من الجلوتين وعدم توافرها، ما يضطر العديد منهم إلى جلب المنتجات التي يحتاجونها من الأُردن.

"القدس" دوت كوم التقت بعض المُصابين بهذا المرض، وتحدثت إليهم للاطلاع على معاناتهم واحتياجاتهم، كما التقت مختصين بهذا الموضوع لمعرفة أعراض المرض وأسبابه، وكذلك الجاهزية للتعاطي مع حالات الإصابة به.

داء معوي ذو أُصول مناعية

يُعرف أخصائي الطب الباطني الدكتور ماجد القدسي مرض تحسُّس القمح أو عدم تحمل الجلوتين بأنه: "داء معوي ذو أُصول مناعية، إذ يهاجم جهاز المناعة مركب الجلوتين الموجود في القمحيات مثل الخبز والبسكويت وغيرها من المنتجات التي تحتوي على مشتقات القمح، وبعد ذلك يهاجم البروتينات الموجودة في الحبوب الأُخرى كالشعير والشوفان ومشتقاتهما الغذائية".

ويلفت إلى أن "هذا الهجوم المناعي يؤدي إلى حصول التهابات مزمنة في الأمعاء الدقيقة، فتنكمش الخملات المعوية وينبسط سطح الأمعاء، وبالتالي تؤدي إلى فقدانها قدرتها الوظيفية المتمثلة بالامتصاص الفعال للعناصر الغذائية المتنوعة".

ويبين القدسي أنه "عند بلوغ المريض مرحلة ظهور الأعراض، فإن مريض التحسس من القمحيات يمكن أن تصيبه أعراض كثيرة، مثل: فقدان الوزن وفقر الدم والشعور الدائم بالإرهاق".

وحول أعراضه، يقول: "تتمثل أعراض المرض بحدوث تهيج في الفم أو الحلق، وطفح جلدي مصحوب بحكة، واحتقان الأنف، والصداق، وتشنجات أو قيء أو غثيان، إسهال ، ويمكن أن تصاحب المرض صعوبة شديدة بالتنفس ومشاكل في البلع، والدوار أو الإغماء".

ويؤكد القدسي أن "المرض لا علاج له سوى الالتزام بالحمية الغذائية الخالية من مادة الجلوتين، والتوقف عن الحمية من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض المرضى لأن المرض يعاود الظهور بأعراض أُخرى، وقد يسبب الأورام السرطانية لهم في المستقبل".

تقول رئيسة الجمعية الفلسطينية لمرضى السيلياك (حساسية القمح) عبير الهدار: "عملنا من خلال الجمعية على تنظيم الندوات الصحية والأنشطة والفعاليات للتعريف بالمرض وتوفير المواد الغذائية للمرضى وإجراء الفحوصات الطبية اللازمة بخصومات كبيرة".

وتلفت إلى أن "الفحوصات يجب أن تتم كل شهر للتأكد من مستوى الدم، والاطمئنان على المرضى".

وتذكر أن "سعر الفحص يصل إلى (400 شيكل)".

إصابتها دفعتها إلى تأسيس جمعية خاصة للعناية بالمُصابين بالمرض

تقول عبير الهدار، وهي إحدى المصابات بالمرض: "لم أكن قد تجاوزتُ السنة حينما اكتشفتُ إصابتي بمرض حساسية القمح "السيلياك"، ففي ذلك الوقت حاولت أُمي إطعامي الخبز مع اللبنة، ما جعلني أُصاب بإعياء شديد نُقلتُ إثره إلى المستشفى لتتبين إصابتي بالمرض بعد إجراء الفحوصات اللازمة".

وتضيف: "رحلتي بدأت وما زالت مستمرة مع المرض، فلا علاج له، أذكر في صغري أنني كثيراً ما كنت أتعرض لوعكات صحية تستلزم إدخالي إلى المستشفى بسبب عدم التزامي بالحمية الصحية، فقد كنت وما زلت أُحب الفطائر التي تحتوي على الجلوتين، الأمر الذي سبّب لي مضاعفات وانتكاسات مراتٍ عدة في الماضي".

مرت الأيام وأصبحت الهدار في الرابعة والثلاثين من عمرها، ونظراً للمعاناة التي ألمت بها في الصغر قررت أن تؤسس جمعية تُعنى بالمصابين بمرض حساسية القمح، فعدد المرضى يزداد مع الأيام، وتزداد مشاكلهم، خاصة في ظل عدم توافر الأغذية الخالية من الجلوتين، أو وجودها في الأسواق كمنتجاتٍ إسرائيلية وبأسعارٍ مرتفعة.

غلاء أسعار المنتجات الخالية من الجلوتين

يعاني مصابو حساسية القمح، المفروض عليهم الالتزام بحمية خاصة، من غلاء أسعار المنتجات الخالية من الجلوتين، ولا تقتصر المواد الممنوع التعامل معها على الأغذية فحسب، وإنما تتعداها للعديد من المنتجات غير الغذائية.

وتبين الهدار: "مادة الجلوتين لا تدخل في المواد الغذائية فحسب، وإنما تدخل في صناعة الصابون والشامبو ومعجون الأسنان والعديد من المواد التجميلية، وهذا يشكل مشكلةً أُخرى للمرضى لإجبارهم على استخدام مواد معينة خالية من مادة الجلوتين".

وتلفت إلى أن "أسعار المواد الخالية من مادة الجلوتين والمتوفرة في البلاد مرتفعة الثمن، وغير متوفرة دائماً".

وتذكر أن "سعر الكيلو يبلغ ثلاثة دنانير ونصف الدينار، أي ما يعادل 18 شيكلاً".

لا إحصاءات لمرضى "حساسية القمح" وأعدادهم تُقدَّر بالآلاف

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فإن عدد المصابين بمرض حساسية القمح يغيب عن الإحصاءات الرسمية الفلسطينية، الإ أنه يُقدر بالآف.

ويبين مدير دائرة التغذية في وزارة الصحة الفلسطينية الأستاذ موسى حلايقة أن "الوزارة تقدم الخدمات الصحية للمرضى بشكلٍ دائم، ويمكن الاستفادة منها من خلال إجراء الفحوصات وتقديم العلاجات اللازمة لهذه الشريحة".

ويؤكد أنه "لا توجد إحصاءات تبين عدد مرضى "حساسية القمح " في الضفة وقطاع غزة، الإ أن الوزارة تفكر ببناء قاعدة لبيانات المرضى، ووضع خطط لتقديم الخدمات اللازمة لهم بالتعاون مع الجمعية الفلسطينية لمرضى حساسية القمح".

لا توجَد منتجات فلسطينية خاصة لمرضى حساسية القمح

وحول توافر الدقيق الخالي من الجلوتين، يفيد أنه "ليست هناك منتجات فلسطينية لمرضى حساسية القمح لعدم وجود مطاحن فلسطينية تنتج هذا النوع من الدقيق، ولهذا يتم استيراده من الخارج أو من إسرائيل".

وخلال جولة لـ"القدس" دوت كوم في أربعة مخابز في مدينة الخليل تبين أنها لا تبيع المُنتجات الخالية من الجلوتين.

الاضطرار للسفر إلى الأُردن لتأمين منتجات خاصة للمصابين بالمرض

وتضطر الهدار إلى السفر إلى الأردن لتأمين منتجات المرضى، وتقول: "أضطر للسفر إلى الأردن بشكل دوري من أجل شراء الدقيق الخاص بتغذية المرضى، وعادةً ما تكون الكمية كبيرة حتى تغطي أطول فترة ممكنة، إذ إن الخبز الخالي من الجلوتين لا يتوافر في المخابز للأسف".

ويشير الحلايقة إلى أن "الوزارة حالياً تتعاون مع الجمعية للبحث عن مصادر للحصول على المنتجات الخالية من الجلوتين وتأمينها بأسعار مقبولة ومناسبة للمرضى".

ويذكر الحلايقة: "في وقت سابق ، اتفقنا مع إحدى المطاحن لتأسيس خط إنتاج لطحينٍ خالٍ من "الجلوتين"، الإ أن الأخيرة لم تنفذ المشروع".

وتشدد الهدار على ضرورة "أن يكون هناك مصلق غذائي على المنتجات الغذائية المصنعة يفيد باحتواء المنتج على مادة الجلوتين من عدمه".

وتوصي بـ"عقد الدورات والورش لأفراد المجتمع بمختلف شرائحه للتعريف بماهية المرض وكيفية التعامل معه، إذ إن هناك مشكلة حقيقية في تشخيص المرض لتشابه أعراضه مع أعراض الأمراض الأُخرى".

وتطالب بـ"إنشاء مؤسسات حكومية تُعنى بالمرضى، وتؤمن احتياجاتهم، وتوفر الرعاية للمرضى".

صعوبة التشخيص لتنوُّع الأعراض

الثلاثينة بشرى حماد عانت من الآم عدة جعلتها دائمة الزيارة لعيادات الطوارئ في المستشفيات، معاناة طويلة لحقت بها إلى أن تبينت إصابتها بمرض حساسية القمح، فأعراض المرض كثيرة وتتشابه مع أعراض الأمراض الأُخرى، ما يزيد من صعوبة الكشف عن المرض.

ويقول الأخصائي الباطني الطبيب ماجد القدسي: "يتخذ المرض أشكالاً كثيرة وأعراضاً متنوعةً لا تتشابه بين المرضى، وهذا ما يجعل من الصعوبة تشخصيه منذ البداية في كثير من الأحيان، وكثير من المرضى يلجأون إلى الطب البديل أو ما يُعرف بالطب الشعبي للبحث عن دواء للمرض يعينهم على التخلص من المرض، الإ أن ذلك يؤدي إلى مضاعفات لا تُحمد عقباها في المستقبل".

ويلفت إلى أنه "يجب إجراء فحوصات الحساسية عند ظهور أي مشاكل صحية ليس لها تفسير، إذ إن المرض يمكن أن يصيب الإنسان في أي مرحلة من مراحل عمره".

استغلال وخداع وغياب الرقابة

في الآونة الأخيرة، سعى بعض أصحاب المحلات والمطاعم لتوفير منتجات خاصة لمرضى حساسية القمح بأسعار مرتفعة، وبعيداً عن شروط السلامة التي تستلزم عدم وجود مادة الجلوتين في المنتجات.

وتقول إلهام: "قبل فترةٍ من الزمن سمعت من إحدى صديقاتي عن مطعمٍ يُقدم وجبات غداء خالية من الجلوتين، فهممت بالذهاب إليه، إلا أنني تعرضتُ للتحسس بعد تناولي الوجبة، واضطررت أن أذهب إلى المستشفى، وتبين أنّ الوجبة ليست خالية من مادة الجلوتين وفقا للطبيب المعاين".

ما حدث مع إلهام جعلها تطالب بـ"تشديد الرقابة على المطاعم والمحال التجارية التي تبيع تلك المنتجات، ووجود أجهزةٍ قادرةٍ على فحص الأغذية الخالية من الجلوتين لتقييم مدى سلامتها للمصابين".

حمية خاصة

يُعد الالتزام بالأغذية الخالية من الجلوتين ضرورة قصوى للمرضى، وتُبين أخصائية التغذية العلاجية شهد القدسي أن "تناول الأغذية من الجلوتين يُجنب المريض من التعرض لتشجنات المعدة، وما يرافقها من مشاكل هضمية متعددة تصيب المريض نتيجة المرض".

وتبين القدسي أنه "يجب أن يعتمد النظام الغذائي الخالي من الجلوتين أساساً على الأطعمة الخالية من الجلوتين بشكلٍ طبيعيٍّ مع توازنٍ جيدٍ بين العناصر الغذائية الصغرى والكبيرة، مثل: اللحوم والأسماك والبيض والحليب ومنتجات الألبان والبقوليات والمكسرات والفواكة والخضروات والبطاطا والذرة، فجميعها مكونات مناسبة لهذا النظام الغذائي، وإذا استُخدمت منتجات بديلة خالية من الجلوتين تم إعدادها تجارياً، فإن اختيار المنتجات المخصبة أو المحصنة بالفيتامينات والمعادن هو الأفضل".

وتضيف: "تعتبر الكينوا والقطيفة والحنطة السوداء وبعض الحبوب الثانوية بدائل صحية لهذه المنتجات المحضرة، ولها قيمة بيولوجية وغذائية عالية".

وتقول: "بالرغم من الشعبية المتزايدة للأغذية الخالية من الجلوتين بين الأشخاص غير المصابين بالمرض اعتقاداً بأنها أغذية ذات فوائد صحية، فإن بعض الدراسات أثبتت أنها قد لا تكون خياراً صحياً".

وحذرت دراسة نُشرت في دورية "بريتيش ميديكال جورنال" عام 2017 من أن تناول أطعمة خالية من الجلوتين ليس له أي تأثير إيجابي أو ‫فائدة تُذكر على الصحة، بل على العكس من ذلك تماماً؛ إذ يؤدي تقليل الجلوتين ‫إلى تقليص استهلاك كمية الحبوب الكاملة، التي تفيد في حماية القلب من ‫كثيرٍ من المشاكل.