نجاح أم فشل.. استراتيجية الاستفراد الإسرائيلي في غزة

بقلم: طلال أبو ركبة*

جاءت عملية الاغتيال التي نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي للقائد في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي "بهاء أبو العطا"، بعد ترويج إسرائيلي اعلامي وسياسي مسبق، باعتباره الرجل الرئيسي لإيران في قطاع غزة، وقائد المنطقة الشمالية لسرايا القدس في القطاع وأحد أبرز أعضاء مجلسها العسكري. بحسب الرؤية الإسرائيلية، فهو المسئول الأول عن التخطيط لهجمات ضد إسرائيل، ومشارك في تصنيع الأسلحة، وتحسين قدرات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى. وينظر إليه قادة الاحتلال العسكريين كعنصر تصعيد في القطاع، والمسئول عن شن هجمات منفردة بعيدة عن سلطة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي تدير قطاع غزة.

أتت المبررات الإسرائيلية للاغتيال في إطار لعبة قديمة جديدة تفحص إسرائيل إمكانية استخدامها، في حال اثمرت عن النتيجة المرجوة، وهي "سياسة الاستفراد الإسرائيلية". استخدمت إسرائيل سابقاً هذه السياسة اثناء انتفاضة الأقصى من خلال التفريق في اعتداءاتها ما بين السلطة الوطنية والمقاومة عند اجتياحاتها المتكررة للمدن الفلسطينية في ذلك الوقت. تحاول اليوم إسرائيل اختبار هذه السياسة بين صفوف المقاومة، وتحديداً بين حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، بالترافق مع نشاط لماكنتها الإعلامية في كيل المديح لحركة حماس والإشارة إلى حكمتها في عدم الانجرار وراء محاولات الجهاد الإسلامي لجرها الى المشاركة في التصعيد الأخير والذي استمر لمدة ثلاثة أيام تقريباً.

أعطى التصدي المنفرد للجهاد الإسلامي للعدوان انطباعاً أن الاستراتيجية الإسرائيلية، قد حققت مرادها في إحداث شرخ بين فصائل المقاومة الفلسطينية.

ولكن، قبل أي تقييم أو تحليل لمالآت تطورات هذه الموجة من التصعيد، ونجاح أو فشل هذه الاستراتيجية، لابد من الوقوف على عدة أمور هامة وهي:

أولاً، أن الجهاد الإسلامي لم تذهب إلى هذه الجولة في إطار محاولتها لتحريك ملف حصار غزة، أو تحسين شروط التفاهمات القائمة بين الفصائل في غزة والإحتلال الإسرائيلي، وإنما جاء هذا الذهاب اضطراراياً وكردة فعل على جريمة اغتيال القيادي بهاء ابو العطا.

ثانياً، أن عمليات الاغتيال التي يقوم بها الإحتلال لقادة الفصائل الفلسطينية لا يحكمها توقيت سياسي انتخابي، بل بالعكس هي مرتبطة بالقدرة على الفعل وتوفر الفرصة السانحة. فطبيعة الصراع أكثر جوهرية من أن يحكمها توقيت، والقاعدة هي أن يأتي الأمر من المستوى السياسي، فيما الاستثناء هو حساب ثمن الفعل. وفي هذا السياق، لابد من تصحيح بعض المعلومات التي تناولها العديد من المحللين وكأن إسرائيل كانت ممتنعة عن القيام بعمليات اغتيال، أو أنها أوقفت سياسة الاغتيالات، وهذا أمر غير صحيح، لان سياسة الاحتلال لم تتوقف يوماً عن دائرة الاستهداف لأي قيادي أو ناشط فلسطيني.

ولكن ما حدث يمكن وصفه بأنه تحريك جديد لحدود قواعد اللعبة الإسرائيلية في إطار صراعها مع فصائل المقاومة، أي أن الأمر برمته هو محاولة إسرائيلية لخلق مجال ما من الاغتيالات تستوعبه فصائل أخرى طالما لم تكن جزءا من إطار الاستهداف.

ثالثاً، عبر إدراك كافة الأطراف فصائل مقاومة وإسرائيل بأن التصعيد طريقه مسدود، وأن التجارب السابقة للتصعيد لم تفضي إلى حل يرضي أي من الطرفين، تقر إسرائيل أن خياراتها في القطاع محدودة عسكرياً وأي حملة أو مواجهة شاملة لا تستطيع تحمل تكاليفها داخلياً سواء على المستوى البشري أو المادي. أما فصائل المقاومة وتحديداً حماس، فانها ترى بأنه لا يمكن تحقيق أقصى مما تحقق في ظل الظروف الراهنة محلياً وإقليمياً ودولياً. بمعنى أخر فان كلا الطرفين استنفذا أقصى خياراتهما، وربما هذا كان واضحاً في اشتراطات الجهاد الإسلامي خلال حديث القائد العام زياد النخالة على قناة الميادين. هذا بالإضافة الى أن الفصائل الفلسطينية في غزة باتت تدرك أن الذهاب إلى خيار الحرب والمواجهة الشاملة مع الاحتلال ليس فزعة أو مجرد قرار بلا حسابات دقيقة، بل يخضع إلى حسابات تزيد من مراكمة نقاط القوة والتفوق وجعل الاحتلال يدرك أنه سيتحمل نتائج عدوانه من ناحية، وتجنيب المواطنين أكبر قدر من دفع الثمن، وهذه احدى أبجديات الفعل المقاوم.

رابعاً، تكمن اهم ميزات أي فعل مقاوم في مواجهة عدو أكثر قوة وتسليحاً في القدرة على الابداع والابتكار لأنماط قتالية جديدة مباغتة ومفاجئة، وتوليد تحديات جديدة للعدو، وهذا مالم يحدث، إذ كان النمط القتالي شبيها بالكامل للجولات السابقة حيث الاستهداف الصاروخي، إذ أطلقت المقاومة ما يقارب من 450 صاروخ باتجاه الأراضي المحتلة، إلا أن هذا العدد الكبير لم يتسبب في أضرار بشرية لدى الاحتلال، مما يشير إلى مستوى الجهوزية والاستعداد والتوقع الإسرائيلي لردة الفعل الفلسطيني المقاوم، في الوقت الذي ولد فيه رد المقاومة احباطا لدى الجماهير الفلسطينية التي طالبت بالرد على الجريمة من ناحية، فيما افتقد هذا الرد الى لعنصر المفاجأة الذي يمكنها من إحداث التفوق النفسي على الاحتلال. عدم دخول حماس وكتائب عز الدين القسام في المواجهة شكل صدمة لكل المواطنين. جاءت حالة التباين في الشارع الفلسطيني، لتكشف حجم هذه الصدمة، خصوصاً وأن حركة حماس تحمل لواء المقاومة ورايتها، ولطالما اعتبرت أنها الممثل الرسمي للعمل المقاوم في فلسطين منذ أوسلو وحتى الأن.

جاءت التكهنات والاجتهادات حول مدى نجاح الإستراتيجية الإسرائيلية من عدمه في احداث شرخ بين فصائل المقاومة في قطاع غزة، ضمن أربعة أبعاد:

الأول رأى في عدم دخول حركة حماس وكتائب القسام في المواجهة الأخيرة تكتيكياً نوعياً من قبل الحركة، التي أرادت من خلال هذا الغياب لجم وتحديد حجم العدوان الإسرائيلي، وتفويت الفرصة على إسرائيل من القيام بعدوان همجي قد يلحق تدميراً واسعاً في قطاع غزة على غرار ما حدث في عدوان 2014. فالقطاع لا يحتمل ذلك في ضوء ما يعانيه من ظروف وأوضاع معيشية صعبة، وجراح لا تزال مفتوحة ولم تلتئم منذ هذا العدوان المذكور. وجاء عدم مشاركة حماس خطوة لسحب الذرائع من يد إسرائيل لإلحاق أكبر أدى ممكن في القطاع. يضاف إلى ذلك إدراكها بأن هذه الجولة من التصعيد جزء من مقاومة طويلة الأمد بمختلف أشكالها.

أما الثاني فقد رأى في استجابة حماس للواقعية السياسية، وقوع في فخ ثنائية السلطة والمقاومة وآثرت الحفاظ على سلطتها وديمومة حكمها في قطاع غزة، عن الدخول في مواجهة قد تكلفها زعزعة سيطرتها على القطاع. وأعتبر ان تدخلها كان سيفضي إلى منع دخول الأموال القطرية التي تمر عبر بوابة إيرز والتي تشكل حاليا شريان الحياة الذي تستند عليه الحركة في إدارتها لقطاع غزة. وقد يؤدي وقفها إلى تزايد السخط الشعبي عليها نتيجة تردي الأوضاع المعيشية في القطاع. هذا بالإضافة الى ان محاولة الحركة تعزيز علاقاتها مع دول اقليمية ومؤثرة مثل مصر التي لعبت دوراً في موقفها من التصعيد، بحيث استجابت، لإعطائهم الفرصة لوقف التصعيد وعدم تدهور الأوضاع، وهو ما أشار إليه الناطق باسم الحركة فوزي برهوم الذي صرح بضرورة اعطاء الجانب المصري الفرصة لوقف العدوان الإسرائيلي.

الثالث نظر للأمر على أن هناك فعلا خلافاً بين حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، وخصوصاً الموقف من الرد على اغتيال إسرائيل لنشطاء مسيرات العودة من قبل، وقيام عناصر من الجهاد بإطلاق صواريخ خارج التفاهمات بينهما. وتشير بعض الآراء أن الخلاف بين الطرفين لا يتمحور حول تكتيكات المقاومة، وإنما يتعلق أساساً بعلاقة القوة والسلطة. وان التصعيد الأخير قد كشف حدة هذا التباين.

الرابع لحظ في المواجهة الأخيرة استفراد من قبل الجهاد الإسلامي بإسرائيل وليس العكس، بحيث أرادت حماس من خلاله أن ترسل رسالة إلى الجمهور والمجتمع الإسرائيلي تقول فيها، أن فصيلاً مقاوماً واحداً قادرا على تعطيل الحياة في عمق المدن الإسرائيلية، وبث الذعر في كافة مستوطنات غلاف غزة، فماذا لو شاركت كتائب القسام التابعة لحركة حماس في المعركة، وهي التي تملك أضعاف ما يمتلكه الجهاد. وبحسب حديث سابق للقائد العام لحركة حماس في قطاع غزة يحي السنوار، فقد أشار إلى قدرة الحركة على تعطيل الحياة في المدن الإسرائيلية لمدة ستة أشهر على الأقل.

بالمحصلة، فإن عدم مشاركة حماس في المواجهة الأخيرة لا يمكن النظر اليها كدليل على التراجع عن الثوابت، بقدر ما يمكن قراءته باعتباره عدم إعطاء فرصة لإسرائيل لاستنزاف قدرات المقاومة في جولة تصعيدية واحدة. فالمعركة ممتدة، والجولات قادمة، ومن هنا يمكن أن ننظر إلى ما حدث باعتباره استفراد فصيل فلسطيني بإسرائيل وليس العكس.

الأهم أن هذه المواجهة كشفت ردة فعل الجمهور الفلسطيني عليها، والتي تجلت في فشل السياسات الإسرائيلية المستمرة لخلق فجوة ما بين المقاومة وحاضنتها الشعبية. هذه الحاضنة خرجت للشوارع رافضة وقف التصعيد بهذه الطريقة رغم كل ما تم ممارسته من محاولات لكي الوعي الفلسطيني بجدوى المقاومة، وبضرورة الاستسلام للواقع المرير. بينت هذه المواجهة الأخيرة ضرورة الحاجة الى العمل على تطوير أدوات الفعل المقاوم، وابتكار آليات جديدة ومباغتة لا يتوقعها العدو، بحيث لا يتمكن من كسر قواعد اللعبة بالطريقة والوقت الذي يريد. وإلى ضرورة العمل والبحث عن أدوات للخروج من دائرة استنزاف الحصار الإسرائيلي.

.............................................................................................................

*محلل سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية «الشبكة»، وباحث سياسي مقيم في غزة.