لا يكاد يبقى من الوطن الا أبناؤه

بالمختصر المفيد!!

لا يكاد يبقى من الوطن الا أبناؤه

ابراهيم دعيبس

مرّت ذكرى رحيل ابو عمار، وكالعادة في كل سنة، اقمنا المهرجانات والقينا الخطابات ورفعنا الصور وتحدثنا مطولا عن بطولات القائد الراحل وتضحياته والحصار الذي فرضته عليه اسرائيل لانه لم يستجب لها.

ولدينا مثل يقول اذكروا محاسن موتاكم. وهذا صحيح ان كان الميت انسانا عاديا ولكن ان كان بحجم القائد ابو عمار فمن حقنا ليس مجرد ذكر محاسنه وانما تحليل شخصيته وتصرفاته وكيف واجه العقبات والتحديات وتعامل مع القوى المختلفة حوله.

لا احد يشك في اخلاص ابو عمار ولا باستعداده للقتال والتضحية ولا بقدراته القيادية منذ ان بدأ حياته السياسية ولم يكن يعرفه الناس في حينه الا بابو عمار، حتى تسلم قيادة منظمة التحرير واعلن قيام دولة فلسطين وبدأ المفاوضات السرية مع اسرائيل من وراء ظهر د. حيدر عبد الشافي الذي كان يقود وفد المفاوضات العلنية، وصولا الى اتفاق كامب ديفيد واتفاق اوسلو حتى العودة المظفرة الى غزة.

لقد شُرد ابو عمار من عمان الى لبنان ومن ثم الى تونس ولم يكن يصدق انه قد يعود الى ارض الوطن قائدا معترفا به، حتى وافق على خطة غزة واريحا اولا وعاد الى غزة عودة الابطال .

وتنقل بين غزة واريحا واستمرت المفاوضات السياسية والاقتصادية حتى عاد الى رام الله واستقر بها، وأحس أنه بدأ يقترب اكثر من تحقيق الحلم وكرر القول حتى القدس حتى القدس حتى القدس.

وكانت في تقديري، هذه هي المرة الاولى وربما الوحيدة التي تعاملت القيادة فيها عبر تاريخنا الطويل، بواقعية مع التطورات، ورغم النواقص الكثيرة بالاتفاقات، وكان ابو عمار يؤمن انها نقطة البداية فقط وليس امورا نهائية.

وبدأ المفاوضات حول حلم اقامة الدولة وكان الانطباع ان الامور تسير كما هو مطلوب الى ان اغتال يهودي متطرف اسحق رابين في ٤ تشرين الثاني، أي هذا الشهر، عام ١٩٩٥ وانقلبت المعادلة كليا وفاز اليمين المتطرف حتى وصلنا الى نتانياهو الذي يحكم منذ فترة طويلة.

وبدون الدخول في التفاصيل كان الاغتيال اغلاقا لكل احتمالات السلام وعودة الى العقلية التوسعية الرافضة لاية حقوق وطنية.

وفي مثل هذا الشهر ايضا بتاريخ ١٩ تشرين الثاني ١٩٧٥ هبطت طائرة الرئيس السادات في مطار اللد في زيارة تاريخية مذهلة لاسرائيل، والقى خطابا في الكنيست تحدث فيه عن المتطلبات لتحقيق السلام في المنطقة. وبدأت المفاوضات المصرية الاسرائيلية وكنا مدعوين للمشاركة وتحقيق السلام وفي كل جلسة مفاوضات كان المقعد الفلسطيني موجودا وخاليا من الحضور والمشاركين. واكثر من ذلك فقد رأينا، كما رأى غيرنا، ان هذا الزيارة خيانة واثارت الدول العربية كلها حتى انها نقلت مقر الجامعة العربية الى تونس بدل القاهرة وسحبت دول اخرى سفراءها من القاهرة.

وهكذا نحن ضعنا تقريبا بين الرفض والقبول وبين ما هو ممكن وما نريد حتى وصلنا الى المرحلة التي تمت فيها محاصرة ابو عمار في المقاطعة، وتسللت اسرائيل عبر عملائها اليه من طبيب اسنانه الذي كما يقولون، وضع له السم اثناء المعالجة ومما يعمق هذه الشكوك ان هذا الطبيب مات في ظروف غامضة بعد فترة قصيرة من معالجته اسنان ابو عمار.

من اكبر سلبيات ابو عمار انه كان القائد والقيادة والمنظمة وصاحب القرار الاول والاخير ينفذ ما يراه مناسبا ويرفض ما لا يريده والشعبية الاكبر كانت بالقضية المالية. لم يكن ابو عمار فاسدا ولكنه كان مفسدا بالتأكيد يعطي ما يريد من المال لمن يريد ويمنع عمن لا يريد ولهذا وبصورة عامة قلت المشاريع البناءة وكثر ما يمكن تسميتهم باللصوص في حاشيته ومنهم من انفصل آو اختلف لاحقا وتصرف منفردا.

ومن السلبيات ايضا ان الوجوه لم تتغير وظلت هي الا اذا اختلفت مع ابو عمار.

لقد قتلوا ابو عمار ولم يقتلوا اسلوبه في التعامل والقيادة وبقي القرار بيد شخص واحد والرأي الاول والاخير بيد هذا الشخص وحده ومن يخالف ينتهي ومن ينافق يرتقي.

وما زلنا نعاني وتزداد الفجوة بين الناس والقيادات كما يتعمق الانقسام ويحس المواطن بصورة عامة انه يعيش حالة فردية ولا يهمه شيء إلا نفسه، وهو لا يعرف كيف يخدم وطنه ويضحي من اجله لأن كان كثيرا من الشباب يدفعون حياتهم ودماءهم من اجل ذلك ولكن باشكال فردية وبدون قيادات محلية على الاقل.

وقد زاد استمرار الانقسام بين حماس وفتح من احباط المواطن ولا يفهمون اي سبب لاستمراره والعكس يرون في ذلك طعنة في قلب القضية والموقف الوطني ويسمعون عن انتخابات ولكنهم لا يرون امكانية عملية لتنفيذها مع استمرار تبادل الاتهامات والانقسام.

تبقى ملاحظة مهمة حول المعركة بين اسرائيل والجهاد الاسلامي، وهي ان حماس، لم تشارك ولو برصاصة واحدة في هذه المعركة، مما يخلق نوعا من الانقسام بينهما ولو انهم يحاولون التستر بالصمت ازاء ذلك.

اخيرا، ومع كثرة الاستيطان والمستوطنين، ومع أوضاعنا المأساوية والتخاذل العربي، احس انه لا يكاد يبقى من الوطن الا ابناؤه.