هل وصلت المقاومة المسلحة نهاية الطريق وما الذي يمكن استخلاصه من الهجوم الأخير على القطاع

الأحد... وكل يوم أحد

بقلم: المحامي زياد أبو زياد

المعروف هو أن أي قرار عسكري سواء قبل الدخول في معركة أو أثناء إدارة العمليات القتالية لا يتم إلا على أساس تقدير موقف سواء من قبل هيئة الأركان أو من قبل القائد الميداني أثناء إدارته للمعركة.

وعلى هذا الأساس لابد من طرح عدد من الأسئلة فيما يتعلق بعملية اغتيال القائد الجهادي بهاء أبو عطا والحسابات الإسرائيلية قبل القيام باغتياله.

هل كان تقدير الموقف الذي أجرته إسرائيل يفيد بأن حركة الجهاد الإسلامي ليست معنية بمواجهة شاملة مع إسرائيل في هذه المرحلة وأن ردها على الإغتيال لن يتعدى حدود محاولة رد الاعتبار وبشكل مدروس ومنضبط خاضع للسيطرة ؟ وهل كانت تقديرات إسرائيل بأن حركة المقاومة الاسلامية حماس ستظل على الحياد وأنها باستثناء البقاء قريبا من دائرة قرار الجهاد الاسلامي فيما يسمى بغرفة العمليات المشتركة لن تقوم بأي عمل يؤدي الى زجها في القتال ؟ وهل كانت التقديرات الاسرائيلية بأن الجبهة الشمالية الهشة ستظل صامتة ولن تحرك ساكنا ً لنصرة الجهاد أو التخفيف عن قطاع غزة ؟ وهل صحيح ما أشاعته وسائل الإعلام الإسرائيلية ومن خلال خبرائها العسكريين بأن التقديرات الإسرائيلية كانت تفترض بأن تصفية الشهيد بهاء أبو العطا ستزيل عبئا ً عن كاهل حماس وبعض دول الجوار وربما البعض في الجهاد الإسلامي لأن أبو العطا كان قائدا ً ميدانيا ً ممسكا ً بزمام المبادرة دائما ويشكل تحديا لكل الآخرين الذين لا تنظر عقلانيتهم بارتياح الى قوة الاندفاع التي يتحلى بها أبو العطا ؟

مغامرة إسرائيلية محسوبة بدقة

لقد أقدمت إسرائيل ، وحكومتها الحالية هي حكومة تسيير أعمال لا حق لها في اتخاذ قرارات مصيرية ، ، ولا يوجد مؤشر على أنها ستستطيع تشكيل حكومة عادية في المرحلة الراهنة ، وقد تضطر للذهاب للانتخابات للمرة الثالثة ، ، أقدمت على عملية الإغتيال وهي شبه متأكدة ، إن لم تكن متأكدة ، بأن العملية ستمر بأدنى ثمن من رد الفعل لأن لا أحد على الجانب الفلسطيني معني بالدخول في مواجهة شاملة مع إسرائيل.

فعلى أي أساس بنت قرارها وأسست تقديرها للموقف الذي أثبتت الأحداث أنه كان تقديرا صائبا ؟ وأنها حققت الهدف الذي أرادت تحقيقه وأن الثمن الذي دفعته لم يتجاوز حدود تقديراتها.

لقد أقدمت إسرائيل على تصفية الشهيد أبو العطا وقتل أربعة وثلاثين شهيدا نصفهم على الأقل هم من مقاتلي الجهاد واستنفاذ جزء من مخزون حركة الجهاد من الصواريخ وبث حالة من الدمار في القطاع وظلت رغم ذلك في منأى عن الدخول في مواجهة شاملة وهو الأمر الذي لا تريده وربما ستبحث عن بديل له في المرحلة القادمة.

وإذا كانت العملية العسكرية الأخيرة وأعني اغتيال أبو العطا وما تلا ذلك من قتال قد أثارت العديد من الأسئلة على الجانب الإسرائيلي فإن الأسئلة التي أثارتها على الجانب الفلسطيني لا تقل عنفا ً وتحديا ً عن الجانب الإسرائيلي.

الإسرائيلي العادي يقول بأن اغتيال أبو العطا لم يحل مشكلة سكان المستوطنات الجنوبية ، وأنه تم من قبل تصفية العديد من القيادات العسكرية والسياسية لحماس والجهاد وأنه كان بالإمكان دائما ايجاد من يملأ الفراغ الناجم عن غياب هذه القيادات وربما بقيادات جديدة أكثر تطرفا ً من القيادات التي تمت تصفيتها فما فائدة تصفية شخص له بديل والدخول المتكرر في مواجهات عسكرية عقيمة لا تستطيع اقتلاع المقاومة الفلسطينية من الجذور وتُبقي سكان الجنوب الإسرائيلي في حالة الرعب وانعدام الأمن الدائم.

الخيارات الإسرائيلية لتحقيق الأمن لمستوطنات الجنوب

وإزاء هذا التساؤل الإسرائيلي توجد وجهتا نظر. الأولى متطرفة تدعو الى اجتياح قطاع غزة على غرار اجتياح الضفة الغربية عام 2004 وتجريد سكان غزة من السلاح وتمشيط القطاع وتصفية المقاومة حتى لو أدى ذلك الى قتل آلاف الفلسطينيين وتدمير القطاع بالكامل. فالمهم هو تصفية المقاومة وتركيع القطاع وتحقيق الأمن الدائم لسكان جنوب إسرائيل.

وأما وجهة النظر المقابلة من الإسرائيليين فتقول بأن إعادة احتلال غزة لم تعد أمرا ممكنا ً وأن أية مغامرة من هذا القبيل ستؤدي أيضا الى سقوط آلاف القتلى الإسرائيليين والى إلحاق الضرر الجسيم بالجبهة الداخلية الإسرائيلية من خلال شل الحياة فيها لمدة قد تتجاوز الأسابيع وإلحاق الخسائر بمليارات الدولارات بالاقتصاد الاسرائيلي وعزل إسرائيل عن العالم الخارجي من خلال تعطيل مطار (اللد) بن غوريون والمطارات الأخرى إضافة الى إثارة الرأي العام الدولي ضد إسرائيل احتجاجا ً على المذابح التي ترتكبها ضد المدنيين في القطاع ، ولذ فإن أصحاب هذا الرأي يرون أن لا فائدة من القيام بحل عسكري ويرون أن على إسرائيل أن تبحث عن حل سياسي وأن كل المعطيات تفيد بأن على إسرائيل أن تتعامل مع حماس باعتبارها هي صاحبة القرار والرأي في القطاع.

ويرى أصحاب هذا الرأي بأن ما يدور من حديث عن مفاوضات سرية بين حماس وإسرائيل بشأن ما اصطلح عليه باسم " التهدئة " هو الحل المفضل لدى اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو وأن هناك مصلحة مشتركة لكل من حكومة نتنياهو وحركة حماس بعدم الدخول في مواجهة شاملة تنسف فرصة تحقيق الاتفاق المرتقب بين حماس وإسرائيل وأن حماس تدرك ذلك وبناء عليه افترضت إسرائيل بأن حماس لن تشارك في الجولة القتالية الحالية وأن قتل أبو العطا سيمر بأقل الأثمان وهذا ما حدث.

وعليه فإن الضغوط التي مارسها الرأي العام الإسرائيلي وخاصة في المناطق الجنوبية وإمكانية توجه إسرائيل للانتخابات للمرة الثالثة جعل الفرصة مهيأة لقيام اسرائيل برد فعل انتقامي تضفي عليه حكومة نتنياهو صبغة دراماتيكية وتضخم حجمه أمام الرأي العام الإسرائيلي ، وهذا ما حدث بالفعل عند اغتيال أبو العطا.

هل كانت الحسابات الفلسطينية مدروسة ؟

وأما على الجانب الفلسطيني فإن أحدا ً لا ينكر أن الأسابيع التي سبقت اغتيال أبو العطا لم تكن أسابيع هادئة بل استمر خلالها اطلاق الصواريخ بشكل متقطع تجاه إسرائيل التي كانت ترد في المقابل بضربات محدودة هنا وهناك للحفاظ على هيبتها وادعائها أمام مواطنيها على الأقل بأنها لن تجلس مكتوفة اليدين أمام التحرشات المستمرة من جانب القطاع.

ويبدو على النقيض من ذلك أن الانطباع الذي كان سائدا ً لدى من كانوا يناوشون بالصواريخ هو أن إسرائيل في مرحلة انتخابات وأن الحكومة الحالية فيها ليست مؤهلة ولا مخولة بالخوض في حرب شاملة وأن بالإمكان الضغط عليها بالتراشق بالصورايخ لإرسال الرسائل لها بأنها لا تستطيع المراهنة على استمرار الهدوء على حدودها الجنوبية مع استمرار الحصار الخانق على القطاع وانعدام أي أفق لانفراج متوقع . ولم يأخذ هؤلاء بالحسبان أن ترد إسرائيل بشكل مدروس دون أن تنجر الى حرب شاملة.

وإذا كانت هناك تساؤلات كثيرة على الجانب الاسرائيلي ، فإن العدوان الأخير على القطاع قد كشف النقاب عن تساؤلات كثيرة على الجانب الفلسطيني لا تقل أهمية من تلك التي على الجانب الاسرائيلي.

هل إطلاق الصواريخ سيحرر فلسطين

ولعل من بين هذه التساؤلات هو ما الهدف من إطلاق الصواريخ على إسرائيل ؟ هل هو تحرير فلسطين أم دحر الاحتلال وهل هذا الهدف ممكن بعد كل تجارب الماضي ؟ وهل جر اسرائيل الى حرب شاملة وإعادة احتلال القطاع من خلال قتل الآلاف وتدمير الأخضر واليابس هل سيضع حدا ً لمعاناة الناس في القطاع أم أنه سيغرقهم في بحر من الدم والدمار دون أي نتيجة ؟ وهل هدف المقاومة هو الانتقام لقادتها إذا ما تعرض أحدهم لسوء بينما يمكن المرور بصمت على قتل العشرات من المواطنين العاديين في مسيرات العودة أو العمليات الاسرائيلية الأخرى التي لم تتوقف دون أن ينتصر لهم أحد ؟ هل هدف المقاومة هو حماية القادة والانتقام لمن يتعرض منهم للقتل والتخلي عن الشعب وتركه هدفا ً سهلا ً للقذائف الاسرائيلية من البر والبحر والجو ؟ وهل القطاع والمقاومة مخترق استخباراتيا ً الى الحد الذي يمكن إسرائيل من العمل بكل دقة وثقة؟ ولماذا استطاعت اسرائيل الانفراد بالجهاد الاسلامي وتحييد حماس التي ظلت تقف موقف المتفرج ؟ وهل حرص حركة حماس على البقاء في الحكم والسلطة هو الذي كبل يديها ومنعها من دخول المعركة أم أن هناك اتفاقات وتفاهمات سرية بينها وبين إسرائيل بعضها نضج وبعضها ما زال في مرحلة الإنضاج جعل حماس تؤثر الجلوس على الجدار الى حين أن تنضج الطبخة ؟ ولماذا حرصت الجهاد الاسلامي على إبقاء لهب القتال دون المستوى ولم تستخدم ما لديها من صواريخ بعيدة المدى يمكن أن تصل الى ما بعد تل أبيب ؟ لماذا هذا الصمت المريب في الضفة الغربية ولماذا لم تخرج الجماهير للتظاهر والتفاعل مع شعبها وأهلها في قطاع غزة الدامي ؟

أسئلة كثيرة بعضها تردده الحناجر وبعضه يتم الهمس به في الغرف المغلقة .

خلاصة

من الواضح أن صراعنا مع إسرائيل لم يعد صراعا عسكريا ً وأن المقاومة المسلحة يمكن أن تكون مجدية في مرحلة ما وغير مجدية في مرحلة أخرى ، وأن أقصى ما استطاعت المقاومة تحقيقه في قطاع غزة هو توازن الرعب مع إسرائيل بحيث لم تعد إسرائيل تفكر في اجتياح غزة عسكريا ً وباتت تحسب ألف حساب لأية مواجهة من وراء الحدود مع المقاومة لأن مثل هذه المواجهة ستلحق الضرر بالبنية الاجتماعية والمدنية والسياسية لاسرائيل وأن ليس أمام إٍسرائيل إلا التعايش مع المقاومة وإيجاد صيغة للحوار والتفاهم معها تحقق المصلحة الأمنية-السياسية لاسرائيل والتي تتجسد باستمرار الفصل بين الضفة والقطاع وجعله فصلا أو انفصالا أبديا ، ووقف الخطر الأمني من جانب المقاومة من خلال ما سمي بالتهدئة والتمهيد لقيام كيان منفصل في القطاع له شبه استقلال ذاتي.

هل هذا هو ما قامت المقاومة من أجله أم أنها وبحكم الظروف المحيطة بها وجدت نفسها أمامه دون خيار ؟ بالتأكيد أن ليس هذا هو الهدف الأصلي للمقاومة وأن الانفصال الذي تورطت به حركة حماس عام 2007 وما تبعه من إغراءات وتدخلات إقليمية في القطاع أوهمت المقاومة بأن بناء قدرتها العسكرية هو الطريق الى التحرير فوجدت نفسها أسيرة قوتها العسكرية وأصبح الخيار الذي أمامها هو خيار محدود يتلخص في القبول بأقل من دويلة في القطاع مقابل التنازل الفعلي عن القدس والضفة والتمتع برفع الحصار وتخفيف القيود المفروضة على القطاع.

ويبقى القرار في يد حركة حماس ومن ورائها الجهاد الاسلامي. فإذا كان الهدف هو فلسطين فالطريق للحقوق الفلسطينية تمر من خلال التمسك بوحدة الشعب والأرض ومثل هذا التمسك يتطلب تقديم التنازلات والعودة الى حضن الحركة الوطنية ، ولا أعني هنا ما هو قائم الآن في رام الله وبقائه كما هو وإنما العودة إليه للإنطلاق منه الى إعادة بناء المؤسسات الوطنية وفي مقدمتها م ت ف على أسس المشاركة الحقيقية.

ولا شك بأن الدعوة الى الانتخابات التي أطلقها الرئيس عباس مؤخرا ً يمكن أن تكون الرافعة للبدء في عملية تجديد وتغيير شامل في المفاهيم والأدوات والأهداف. ويقينا أن إسرائيل ستبذل كل جهد ممكن لإفشال الانتخابات الفلسطينية ولمنع عودة القطاع الى الضفة وهذا هو التحدي الذي سنواجهه في قادم الأيام وسيكون لحركة حماس القول الفصل فيه. فإما أن تُفشل مخطط الفصل الاسرائيلي وتجسد وحدة الأرض والشعب وإما أن تنساق وراء مغريات السلطة الزائفة وتقع في حبال الشرك الاسرائيلي ، الأيام القادمة تملك الجواب.

abuzayyadz@gmail.com