الفلافل والحمص.. صراع الرواية بين سطوع الحق وهشاشة الباطل

 * "من سرق وطناً ليس غريباً عليه أن يسعى لسرقة وجبة طعام"

* "الطبق المدلل" يُزيّن صباحات القدس الندية ومقدسيٌّ طاف العالم للتعريف بحمصه

* مهنة مُتوارَثة ورفضٌ قاطعٌ للشريك الإسرائيلي بالرغم من الإغراءات

* حبّات الفلافل وهي تتقلّى بهدوء في لجّة الزيت الساخن تثير شهية الناظرين

القدس- محمد زحايكة- خاص بـ"القدس" دوت كوم- حربٌ مفتوحةٌ تجري بصمتٍ على تبني إحدى أهم الأكلات الشعبية الفلسطينية شهرة، وبشكلٍ خاص المقدسية، وهي الحمص والفلافل. ومن يجول أسواق القدس وأشهر مطاعم الحمص والفلافل فيها، خاصة في البلدة القديمة أو شارع صلاح الدين والمصرارة، يلمس مدى إقبال السُّياح الأجانب، والمواطنين من كافة أنحاء فلسطين التاريخية والمغتربين، على صحون الحمص وحبات الفلافل الشهية، وهي تتقلّى بهدوء في لجة الزيت الساخن بينما ترتسم على وجوههم الفرحة لسحر المشهد.

ويُحاول الاحتلال الإسرائيلي الإيحاء أن الحمص والفلافل من صميم تراثه، لكنّ الحقيقة جليةٌ، كما الشمس لا تُغطّى بغربال، ومَن يزور فلسطين ويتعرّف على إرثها الثقافي والحضاريّ ما يلبث أن يكتشف سريعاً زيف الرواية الإسرائيلية وهشاشتها.

رشدي اشتي: رفضٌ تامٌّ للشريك الإسرائيلي

رشدي اشتي (أبو علي)، أحد أبرز صانعي الحمص والفلافل في شارع صلاح الدين منذ نحو 65 عاماً في باحةٍ مضاءةٍ نهاراً تحت سطح الأرض تهبط إليها بدرج، يقول لـ"القدس" دوت كوم: "ثبت بالدليل القاطع أن الإسرائيليين لا يُجيدون صناعة الحمص، فهم يستعينون بمعلمين وعمال عرب يفهمون هذه الصنعة. فحتى من تل أبيب يأتون إلينا بحثاً عن الحمص والفلافل، حيث يدركون جودة ما نصنعه، وربما نتميز عن غيرنا بالتركيز على الحمص الحب الذي يضفي نكهة خاصة ومميزة على طعم الحمص".

ويضيف اشتي: "جاء إلينا أشخاص من مدن في داخل مناطق 48 يُقنعوننا بمشاركتهم في صناعة الحمص، مقدمين لنا إغراءات كبيرة، شريطة أن نفتح محلات في مناطقهم، إلا أننا رفضنا جميع هذه العروض"، مشيراً إلى أن الحمص والفلافل من الأكلات الفلسطينية القديمة، ولها شعبية خاصة، سيما في القدس العتيقة وبجوار أسوارها الخارجية.

العكرماوي.. الحمص المقدسي منذ الأربعينيات

يقول محمد العكرماوي، صاحب مطعم حمص وفلافل مشهور في المصرارة، إنه يعمل في هذه المهنة منذ أربعينيات القرن الماضي، "أي من أيام القمباز (اللباس العربي التقليدي) وأيام عصر حامض الليمون على الحمص ودق وطحن حبات الحمص".

وعن أيام زمان، يقول العكرماوي: "كل زبون كان له صحنه الخاص، حيث يُمنع تناول الحمص من "نبقة" واحدة، كما يُصر الزبون الذي يعرف طعم فمه في ذلك الزمن على أن يُدَق ويُحضَّر الحمص أمام عينيه، وتوضع الثومة والبقدونس في طقوس خاصة لكل صحن، فلكل شخص ذوقٌ مُخالف، وليس مثل اليوم صار صحن الحمص "ستاندرد"؛ أي نموذج طِبق الأصل للجميع!".

ويروى العكرماوي أن شخصاً شاميا هو الذي أكسبهم سرّ صنعة الحمص والفلافل، كونها أكلة شامية عُرفت في بلاد الشام منذ زمن العثمانيين.

ويقول: إن الحمص العربي يختلف عن الحمص الإسرائيلي الذي يخضع للتخمير، فالحمص الإسرائيلي شيء آخر عن الحمص المتداول والمعروف في بلادنا منذ القِدم، فالحمص الإسرائيلي الذي يوضَع على رفوف المحال التجارية لا يشبه الحمص العربي الأصلي بتاتاً لا في طريقة الإعداد والتحضير ولا حتى في النكهة والمذاق.

ويضيف العكرماوي: مَن يسرق وطناً ليس غريباً عنه أن يسعى إلى سرقة وجبة من الحمص والفلافل.

ويُتابع: يتناول السياح الأجانب الحمص، خاصة النساء منهم، ويعتبرونه وجبة خفيفة لها مذاقٌ خاصُّ ومميزُ في القدس العربية عن باقي المدن الأُخرى. ولدينا زبائن من جنسيات مختلفة ومن كل أنحاء العالم، يأتون خصيصاً لتناول الحمص، فيما تهتم الصحافة الإسرائيلية بالحمص الفلسطيني، وتتناوله في صحفها وبرامجها التلفزيونية معترفةً بمذاقه اللذيذ.

ورشة دولية وأفضل صحن حمص في الشرق الأوسط

ونظم العكرماوي ورشة في مدينة وارسو، عاصة بولندا، لحساب مواطن بولندي أُعجب بالحمص المقدسي وأراد أن يُتقن صناعته في بلاده، حيث يقدمه ليلاً لزبائنه الذين يصل عددهم إلى مئة زبون بالمعدل كل ليلة.

وأعدت القناة الأمريكية "ترافيل" فيلماً وثائقياً عن أفضل صحن حمص في الشرق الأوسط من خلال تصوير محمد العكرماوي، وكذلك كتبت عنه مجلاتٌ وصحفٌ عالميةٌ مشهورة.

أبناء أبو شكري: لا نستطيع العيش والعمل خارج القدس

يقول أحد أبناء أبو شكري، أشهر مطاعم الحمص في البلدة القديمة، وأكثر من ٨٥ سنةً من الخبرة في هذا المجال: إن الكثيرين طلبوا منا أن نفتح مطاعم أبو شكري عند الإسرائيليين، وتحديداً في جورة العناب على الخط الفاصل بين القدس الغربية والشرقية، كون الحمص أكلة شعبية وسريعة لا يتقنونها مثل المقدسيين.

ويضيف: كثيرون حاولوا مشاركتنا في تل أبيب، رفضنا وأجبناهم: نحن كالسمك إذا خرجنا من القدس نختنق ونفشل، فنحن اندمجنا في أجواء البلدة القديمة وناسها البسطاء الطالعين من أزقتها العابقة المُضمخة بروحها العريقة المتجددة، ولا يمكننا الاستمرار من دونهم.

ولاحظ أبناء أبو شكري أن بعض الزبائن يدفعون أكثر في الوجبة عن طيب خاطر بعد أن يتذوقوا الحمص والفلافل ويكتشفون مدى المهارة والإتقان في صنعهما.

ويضيف أحد أبناء عائلة أبو شكري: "تزورنا شخصيات بارزة، وبعض نجوم الفن العربي الذين يزورون البلاد".

استهداف القدس لا يستثني حتى الحمص

لا تزال القدس تعاني من تصاعد هجمات الاحتلال، وبالأخص الضريبة، على ملوك الحمص والفلافل المقدسيين، ومحاولة إرهاقهم بالضرائب ليغلقوا محلاتهم الشعبية المشهورة، بذريعة أنهم لا يُفصحون بشكلٍ دقيقٍ عن مبيعاتهم من الساندويشات.

ويُراقب "عسَس" الضريبة الإسرائيلية مطاعم الحمص والفلافل فترةً من الزمن، ويجمعون أطراف أرغفة الخبز التي توضع جانباً للطيور، ويُقارنونها بكمية المبيعات، ويزعمون أن أصحاب المطاعم يُخفون الحقيقة، فتفرض الضريبة عليهم مبالغ طائلة، ضمن محاولات سلطات الاحتلال تنغيص حياة المقدسيين وتطفيشهم من مدينتهم.

صباحات القدس الندية

وتغص مطاعم الحمص والفلافل الشعبية في صباحات القدس الندية بالزبائن من عشاق الحمص والفلافل من أهل البلد ومن القادمين والسياح الأجانب الذي يملأونها صخباً وبهجة، يتداولون حكاياتهم حول أطباق الحمص وأقراص الفلافل.

أما في رمضان، فتغدو أطباق الحمص وأقراص الفلافل الوجبة الخفيفة الأثيرة على جموع الصائمين، ينتظرون الوقت الطويل وفي طوابير للحصول عليها لتزين موائدهم الرمضانية العامرة والحافلة بأطايب الطعام.

الحمص والفلافل خبرة متوارثة وصراع متواصل

وفي مطعم أبو شنب للحمص والفلافل في مدخل باب الساهرة، يمكن مشاهدة أحد أشبال العائلة وهو يقلي الفلافل بكل همة وإتقان، حيث يتوارث الأبناء عن الآباء، والآباء عن الأجداد هذه المهنة الخالدة والمرتبطة بتراث المدينة المقدسة على مر الأجيال، وباتت جزءاً أصيلاً من ثقافتها وحضارتها العريقة.

الصراع على صحن الحمص وقرص الفلافل سوف يستمر ما دام الصراع الفلسطيني الإسرائيلي متواصلاً، فالحرب على هذه الجبهة الثقافية قد تبدو حرباً صامتةً من دون ضجيج، لكنها حرب محتدمة وخطيرة في حقيقة الأمر، تدور رحاها على جوهر الصراع وروح الشعب وأرضه وقضيته المقدسة، وشعبٌ بهذا الثراء الحضاري والثقافي والمعرفي لن يُهزم مهما بلغ المُستعمِر من غطرسة وعنجهية وتجبر وعنصرية.