أيّ انتخابات فلسطينية..؟!

بقلم: علاء الدين أبو زينة

سوف ينظُر العالم المتغابي إلى الانتخابات الفلسطينية -إذا أجريت- ويقول: “انظروا، هاكم دولة حقيقية للفلسطينيين، لها رئيس وبرلمان، وتُجري انتخابات”. وإذا أجريت بطريقة ديمقراطية حقا، وكسبها طرف غير مرغوب، سيتذرعون بها للمزيد من معاقبة الفلسطينيين.


يُفترض أن يكون الفلسطينيون مثالاً متطرفاً في الديمقراطية والحرية والتلاحُم المخلص الخالي من الأنانية. وليست هذه الشروط، في الحالة الفلسطينية ترفاً. إنها الأساس الذي لا يُمكن من دونه إحراز تقدم في طريق وعِر مليء بالعقبات.

ولكن، ينبغي أولاً إدراك أن الفلسطينيين بلا دولة حقيقية تشغِّل آليات الدول. إنهم شعب مُحتل أو منفي أو محاصر، يخوض نضالاً شاقاً من أجل التحرر. وهو في حالة حربٍ دائمة غير مسبوقة في شراستها، فلا يكاد يمر يوم دون أن يُقتل فلسطيني أو يسجن أو تصادر أرضه أو يهدم بيته أو يتعرض لنوع من العذاب النفسي أو البدني أينما كان موقعه في العالم.


في الحقيقة، يصعب فهم ضرورة أن يكون للفلسطينيين “رئيس دولة” وبرلمان –بالمعنى التقليدي- وهم بهذه الصفات. لعل ما يلزمهم حقاً هو “قائد ثورة” و”مجلس ثوري”، يعملون في زاوية من العالم يمكن أن توفر لهم حرية نسبية. وشغلهم هو التخطيط لإيلام العدو، والتواصل مع القوى التي يمكن أن تساعد قضيتهم، وترتيب شؤون الدعاية، والتشبيك بين كافة الفلسطينيين في العالم وإيجاد أدوار لهم في مشروع معرَّف جيدا.

وبذلك، ستكون الانتخابات –غير التقليدية التي قد ينوب عنها توزيع أدوار لتنفيذ أجزاء من خطط واضحة- داخل المجلس الثوري -أو مهما كانت تسميته.


يعرف الجميع أن السلطات الفلسطينية الحالية في رام الله وغزة – وهو اسم ينطوي على مفارقة في ذاته - ليست ديمقراطية، ولا متسامحة، ولا ناجحة، ولا لديها خطة أبعد من فئوية. وهي تعرض نمطا فريدا من الفصائلية والفئوية والمحسوبية والفساد والتنافس غير الشريف وإقصاء الآخر الفلسطيني والاستبداد بالرأي والعجز المطلق عن تعبئة الفلسطينيين وتحشيدهم في مشروع واعد.

ولا يُتوقع لأي انتخابات تقيمها جهات بهذه المواصفات وهذه العقلية أن تنتج شيئاً مختلفاً.
 مثل أي حركة تحرر ومقاومة - وليس دولة بالتأكيد - يجب أن يكون للفلسطينيين قيادة واحدة، لها جناح سياسي وآخر عسكري. ويجب أن لا يكون الهدف من عضويتها أو رئاستها الاستئثار بسلطة أو امتيازات أو فرض رؤى فصائلية تدعي لنفسها العصمة. ينبغي أن تكون عضوية هذه الهيئة عبئاً حقيقياً على صاحبه كما ينبغي لعضو قيادة مشروع تحاربه كل شياطين الأرض.

وينبغي أن يعمل الأعضاء بإخلاص لتحقيق مصلحة شعبهم كله -الأوضح من الشمس في رابعة النهار: تحرير فلسطين والعودة بكرامة إلى الوطن، نقطة.
يصعب أن يتحرر شعب بلا كفاح مسلح يُسند قضية السياسيين ويصنع الضغط الضروري. سوف يتطلب التحرر بغير ذلك أن يكون أعداؤك مجموعة من الأنبياء. ومن المفارقات اللافتة أن ذلك التكوين، خاصة الجزء العسكري، هو الذي أتاح “أوسلو” من الأساس –لو أنها طبقت حتى بسقفها المنخفض. لكن “الدولة” في الأرض المحتلة، بميوعتها الراهنة، إنما تقلب المنطق على رأسه وتتعامى عن المقدمات التي تم تجاوزها اعتباطياً بحيث لم يفضِ الطريق إلى شيء.
سوف يطيل التأخير في الاعتراف بفشل التكوين الحالي أمد معاناة الفلسطينيين فحسب.

الواقع هو أن القيادة الفلسطينية أُسِرت، والثورة الفسطينية أُحبطت، منذ أوسلو التي تبين أنها فخّ قبضت أسنانه المعدنية المدببة على ساق الحركة الفلسطينية، وجعلتها مستسلمة تماماً وعالقة في مأزق مميت. فلا السلطة في رام الله حرة في شيء ولا السلطة الأخرى في غزة قادرة على شيء.

ومع ذلك، تشتبكان على “السلطة” من موقع الأسير، على شعب أسير.
انبذوا شهوة السلطة واعتناق الوهم. خذوا دور القيادة الانتقالية وأعيدوا تكوين منظمة التحرير الفلسطينية، أو أي هيئة من نفس النوع، من الفلسطينيين نظيفي اليد والأذكياء من كل مكان فيه فلسطينيون. اجعلوها الهيئة الوحيدة التي تمثل الفلسطينيين وتخطط لتحررهم بصوت واحد.

ضموا الأجنحة العسكرية في جناح واحد يعمل لفلسطين، فقط فلسطين. أجلوا الحديث عن فلسطين علمانية أو دينية وعن أي محاصصات. وأقيموا انتخابات، نعم، وإنما داخل هذه الهيئة الوحيدة، على أساس الأكثر رغبة في تحمل المخاطرة التي لا بد أن يقتضيها الإخلاص، وليس المنافسة على سلطة بامتيازات.

عودوا إلى الأساسيات، ولا تستمعوا إلى المثبّطين الذين اختزلوا أماني شعبكم إلى العبث.

عن "الغد"الأردنية