فلتقاضي سوريا ترامب على سرقة النفط السوري وستنجح!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

بعد خطوة موفقة من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بسحب قواته العسكرية من الدولة السورية نتيجة اعتبارات مختلفة منها اعتبارات انتخابية، وقع ترامب تحت ضغوط هائلة اسرائيلية وكردية وعربية وأوروبية وتركية، على تنفيذ قراره المتأخر بسحب قواته، وجاءت خطوته التالية غير الموفقة بل الرعناء بإبقاء عدد قليل من قواته العسكرية في الشمال الشرقي من الوطن السوري( الجزيرة )، بحجة حماية آبار النفط السورية وتأمينها من الوقوع في يد الدواعش. لذا سيمنح ترامب - بجشعه المعروف عنه - شركة إكسون موبيل النفطية الأمريكية، حق إدارة واستغلال أبار النفط السورية في دير الزور في الجزيرة، فيما يعود بالنفع على الإدارة العسكرية الأمريكية المحتلة.

ولما كان من الصعوبة بمكان وفي هذا الوضع الجيو سياسي المعقد فتح جبهة قتال ضد القوات الأمريكية لإخراجها من الوطن السوري العربي، ولما كان النفط سلاحا حاسما وحيويا في اقتصاد البلاد السورية وحاجياتها وعملتها الصعبة، فإننا نرى اللجوء لوسيلة فعالة لكنها غير عسكرية، تتمثل في اللجوء السوري للقانون الدولي الإنساني، عبر إمكانية مقاضاة القرار الأمريكي الترامبي، وهدمه في بيته وإلغائه، وأمام قضاته الأمريكيين، وتحديداأمام قضاة المحكمة العليا الأمريكية ذاتها.

هذا ليس ضربا من الخيال، وليس ثقة مسرفة في العدالة الأمريكية، ولكنه قراءة معمقة لسابقة أمريكية مشابهة موضوعيا، تقريبا، وهي تتعلق بما حدث لنفط خليج السويس بعد حرب عام 1967، ومحاكمات نورومبورغ لعام 1946 ، ومحاكمات طوكيو في الشرق الأقصى عام ،1947 حول جرائم الحرب العالمية الثانية.

ففي الحالة الأولى، حاولت إسرائيل سرقة النفط المصري بعد احتلال سيناء عام 1967 آنذاك، عبرالترخيص لشركة أمريكية نفطية، وإعطائها صلاحيات اكتشاف وتطوير واستغلال حقول نفطية قائمة وجديدة في سيناء المحتلة وخليج السويس المحتل ايضا، تماما كما يسرق الإسرائيليون مياهنا وأراضينا وثرواتنا الطبيعية.

فما كان من شان هذه الشركة الأمريكية، إلا أن خاطبت وزارة الخارجية الأمريكية بشأن شرعية او عدم شرعية هذا الطلب الإسرائيلي قبل ان تباشر عملها. وكانت المفاجأة، ان وزارة الخارجية الأمريكية - بناء على راي مستشارها القانوني - أبدت رأيا ممانعا للطلب الإسرائيلي بل رافضا له، وقررت أن الطلب الإسرائيلي خرق للقانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني.

وتم نشر الرأي القانوني لمن يود الإستزادة بالفائدة في المجلة الأمريكية للقانون الدوليAmerican Journal of International Law في المجلد السادس عشر في عدد أيار من عام 1977 تحت عنوان International Legal Materials في الصفحات الممتدة من 733 إلى 753.

وجاء رأي المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية Monroe Leigh بعد دراسة معمقة للمفهوم القانوني للأرض المحتلة، والاحتلال وطبيعته، وصلاحية القائد المحتل، ومدى تعارض اختصاصه وتناقضها مع صاحب السيادة الشرعي، بناء على ما استقر من قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، المكتوب وغير المكتوب، والذي يطلق عليه أحيانا قانون الحرب. واستند المستشار إلى اتفاقية لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف لعام 1949 وميثاق الأمم المتحدة وقوانين مدنية كثيرة لدول مختلفة من أنظمة قانونية مختلفة مثل ألمانيا وفرنسا وأمريكا.

الوضع اليوم في الشمال الشرقي السوري ( الجزيرة ) مشابه تماما لاحتلال القوات الإسرائيلية لشبه جزيرة سيناء عام 1967تماما،. فهناك قوات أمريكية محتلة قليلة العدد كما يشاع، تحتل حقول النفط السورية ، تماما كما كان عدد القوات الإسرائيلية المنتشرة في سيناء وخليج السويس قليلة نسبيا نتبجة لكبر المساحة المحتلة. وبغض النظر عن عدد القوات الأمريكية وهو أمر هامشي لتقرير الاحتلال من عدمه، فمعيار وجود الإحتلال من عدمه يقوم على معيار السيطرة الفعالة على الإقليم المحتل وليس عدد أفراد الجيش المحتل.

ففي عصر التكنولوجيا الحديثة لم تعد السيطرة على الإقليم المحتل تحتاج عددا كبيرا من أفراد القوات المسلحة بل يكفي العدد القليل.

وعليه فصلاحية القوات الأمريكية المحتلة على الأرض السورية بما يشمل القائد الأعلى وهو الرئيس الأمريكي، تستمد من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907، واتفاقية جنيف الرابعة 1949، والعرف الدولي كما قررت المادة 38 من ميثاق محكمة العدل الدولية.

وقطعا الولايات المتحدة الأمريكية طرف في كلتا الاتفاقيتين اللتين غدتا جزءا من القانون الدولي العرفي. بمعنى أن تخلي الرئيس الأمريكي الجدلي عن قوانين الحرب، ليس له قيمة قانونية على الإطلاق كما حدث في اتفاقية المناخ . ذلك أن العرف الدولي يسري على جميع الدول بدون أدنى استثناء، صغيرها وكبيرها، غنيها وفقيرها، شمالها وجنوبها.

اما محكمة الجنايات الدولية فليس لها صلة وصعب الوصول إليها من الدولة السورية، بهذا الموضوع على الأقل، من ناحية شكلية فأمريكا ليست طرفا في اتفاقية روما. وكذلك محكمة العدل الدولية تبتعد عن رؤية مثل هذا النزاع، الذي يتطلب موافقة مسبقة من طرفي النزاع المتخاصمين لتقبل الدعوى. بمعنى آخر ليس هناك إمكانية قانونية سورية لملاحقة القرار الأمريكي الترامبي سوى المحاكم الأمريكية ذاتها.

وقد يقول قائل أن هذا التواجد العسكري الأمريكي على الجزيرة السورية لا يرتقي لأن يكون احتلالا بل هو تواجد عسكري بناء على طلب الأكراد أو لاعتبارات إنسانية. هذه المبررات والأعذار غير مقبولة قانونيا، واعتبرها المشرع الدولي، وسائل من قبل الدول للتهرب من التزاماتها الدولية في زمن الحرب وإخلالا بواجباتها ومسؤولياتها الدولية، كما قررت المادة الثانية من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وقبلها المادة 42 من اتفاقية لاهاي لعام 1907.

وما دامت القوات الأمريكية المحتلة ستلتزم بالقانون الدولي الإنساني، فعليها أن تطبق نصوص اتفاقيتي لاهاي وجنيف بحذافيرها، وبخاصة المادة 55 من اتفاقية لاهاي الرابعة الخاصة بتعليمات الحرب.

وبالتالي ليس للقوات الأمريكية أن تستخرج أو أن تطور أو تكتشف حقول نفط جديدة في الجزيرة السورية. فليس للقوات الأمريكية سوى صلاحيات إدارة أبار النفط السورية من خلال الشركة او المرفق الذي أوكل إليه صاحب السيادة الشرعي السوري وأعطاه امتيازا لاستغلال واكتشاف حقول النفط السورية بغض النظر عن تاريخ إصدار القانون سواء بعد الإحتلال الأمريكي أو قبله. وينطبق عليها قواعد الإيجار وليس قواعد الملكية والتصرف المعرفة في القانون المدني.

وفي ظل تعريف اتفاقية لاهاي لعام 1907 للأموال غير المنقولة ووضعها نصا خاصا بها، فقد اعتبر الفقهاء النفط من باب الأموال غير المنقولة ويتبع القطاع العام لأن له ثمنا باهظا والتصاقا هاما بسيادة الوطن وتنظم قواعده القوانين الداخلية عبر تشريعات وضعية، وبخاصة استعماله وترتيبات الإنتفاع منه. لذا طبقوا على النفط أحكام المال غير المنقول من إيجار وتمليك وتصرف ورهن. ومن هنا سعت اتفاقية لاهاي الرابعة للتمييز والتفريق بين عقد الإيجاروعقد الملكية في المادة 55 منها، بحيث أجاز للمحتل قواعد الإيجار وليس قواعد الملكية للمال العام للإاقليم المحتل. وفي ظل ذلك تقررت قواعد الإستعمال فقط لقوات المحتل، شريطة عدم استنفاذ القوات المحتلة للمال غير المنقول العام وطرق زواله ووسائل تبديده، وتمت استعارة وسائل التصرف بالمال غير المنقول للقياس على النفط حيث اعتبر عقارا لعدم النص عليه تحديدا في اتفاقية لاهاي الرابعة.

وعليه فإن إمكانية استنفاذ الإحتياطي النفطي السوري المخزون وغير المتجدد، في الأرض السورية على يد القوات الأمريكية المحتلة أو على أيد أخرى، فإن قواعد المنفعة هي التي ستسود وتنتفي قواعد التصرف والملكية. وفي النهاية صلاحية القوات المحتلة محكومة بأمرين رئيسيين: الأول منها متعلق بامن قوات الإحتلال بمفهومه الضيق، والثاني متعلق برفاهية الشعب المحتل وهو السوري هنا، بل إن الأخيرة تسمو على الأولى.

إذا، لا تستطيع القوات الأمريكية، أن تمنح امتيازا لأية شركة أجنبية أمريكية أو غير أمريكية، للتنقيب عن النفط السوري،و/ أو فتح حقول نفطية جديدة، و/أو استثمار حقوق نفطية قائمة، و/أو تمنح رخصا جديدة لمستثمرين جددا، فهذه من صلاحيات صاحب السيادة الشرعية السوري ضمن الدولة السورية على وجه الحصر. ولا تستطيع القوات الأمريكية إصدار مراسيم قانونية جديدة، بهذا الصدد إلا في حالة الضرورة القصوى، كما قررت المادة 23 من اتفاقية لاهاي و64 من اتفاقية جنيف الرابعة.

لذا يجب على القوات المحتلة الأمريكية وعلى راسها ترامب، أن تحترم المراسيم والإمتيازات والرخص السورية التي كان صاحب السيادة الشرعي السوري قد منحها لشركات التنقيب واستخراج البترول السوري سواء قبل الإحتلال الأمريكي أو بعده، ذلك أن المحتل ليس له سيادة فوق الإقليم المحتل وإن كانت له سلطة فعلية مستمدة من قوته العسكرية المتواجدة فوق الإقليم المحتل.

قد يقال لماذا أنصح الحكومة السورية بملاحقة الموضوع أمام المحاكم الأمريكية ولا يتوافر هذا الخيار للشعب الفلسطيني بالنسبة لسرقة مياهه وأمواله الجوفية. السبب جد بسيط قانونا، فمرجعيتنا الأولى هي استنفاذ الخيارات المحلية وعلى راسها محكمة العدل العليا الإسرائيلية وسوابقها المناهضة للحقوق الفلسطينية الثابتة والدائمة. وبعدها محكمة الجنايات الدولية التي تقاعسنا عن مطاردتها وملاحقتها في قضايانا دونما سبب واضح ومقنع. أما هناك في واشنطن فيحكمهم القانون الدولي الإنساني وسوابقه المعروفة شاءوا ام أبوا لأنه قانون البلاد الأسمى وفق الدستور الأمريكي .

النفط في الأرض السورية هو مال غير منقول تحكمه قواعد التشريعات الداخلية لصالج الشعب السوري صاحب السيادة في الإقليم السوري بأبعاده الثلاث البري والبحري والجوي. أما الإحتلال الأمريكي فهو مؤقت وزائل ولا يملك صلاحية صاحب السيادة الشرعي السوري، واختصاصه محصور باستعمال هذا النفط لمصلحة الشعب المحتل وحده دون سواه.

ولا يصح إلا الصحيح والحق يعلو ولا يعلى عليه!