.. حتى لا تبقى العيسوية وحدها تقاوم!

بقلم: راسم عبيدات

منذ حزيران الماضي والحملة المسعورة على العيسوية من قبل الإحتلال بأذرعه المختلفة امنية وشرطية ومدنية مستمرة ومتواصلة، وكما صرح وكشف قائد لواء ما يسمى بشرطة القدس السابق ميكي ليفي،ب أن الهدف من ذلك لا يتصل بالجوانب الأمنية، بل هي حملة منظمة، تهدف لخلق رأي عام إسرائيلي، يطالب بتجريد اهل العيسوية من هويتهم الزرقاء الإسرائيلية، وبأن تكون النموذج للانفصال عن القرى والبلدات المقدسية في القسم الشرقي من المدينة، وذلك من اجل الحفاظ على واقع ديمغرافي يضمن أغلبية كبيرة للمستوطنين فيها.

إنها سياسية " أبارتهيد" وتطهير عرقي تنفذ بحق المقدسيين.

أول أمس وكما هي أيام العيسوية ويومياتها اقتحمت قوات كبيرة من جيش وشرطة الاحتلال حي عبيد في القرية، ومارست طقوسها السادية اليومية بالإعتداء على النسوة والأطفال والشيوخ والسكان مستخدمة القنابل الغازية والصوتية والأعيرة المطاطية المغلفة، ناهيك عن الضرب المبرح، مما انتج عشرات الإصابات سواء بالإختناق أو الضرب، وعدد من المعتقلين، وما خلفه هذا الهجوم والإقتحام الوحشي من دمار وخراب في ممتلكات السكان.

العيسوية دائماً في قلب الحدث، هي بكل مكوناتها ومركباتها الوطنية السياسية والمجتمعية والشعبية، لم تنزل عن جبل أحد، ولسان حالها يقول هذا زمن المغارم لا زمن المغانم، ولذلك كانت دوماً عرضة لكل أشكال العقوبات من قبل أجهزة الإحتلال، جيش وشرطة ومخابرات، ينكلون بالمواطنين ويتفننون في قمعهم وإذلالهم، بعقوبات جماعية، وإغلاقات متكررة لمدخل البلدة بالمكعبات الإسمنتية، وعمليات دهم وتفتيش وإعتقالات، وإطلاق للرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية، ومنع اي نشاط او فعالية مهما كبرت او صغرت، حتى لو كانت مخيما صيفيا، او افتتاح ملعب وليس استقبال أسير محرر من سجون الإحتلال.

وبلدية الإحتلال حاضرة دائماً وبشكل شبه يومي في تحرير مخالفات البناء تحت حجج وذرائع البناء غير المرخص واوامر الهدم والقيام بعمليات الهدم لبيوت ومنشآت أهالي العيسوية وتجريف أرضهم، ومصادرة حتى حيواناتهم ،ودائرة معارف اسرائيلية وبلدية لا توفران الغرف الصفية لطلبة العيسوية،وتسعيان الى أسرلة المنهاج الفلسطيني في مدارسها، والهدف واضح " تطويع" و"صهر" وعي طلبتها، وتفريغهم من محتواهم الوطني والنضالي.

العيسوية كباقى القرى المقدسية، الاحتلال وبلديته وداخليته،رفضوا إقرار مخطط هيكلي للبلدة يتلائم واحتياجات السكان، ويصرون على محاصرتها بالمستوطنات، ويصادرون أراضيها من اجل ما يسمى بالحدائق الوطنية " التلمودية" لمنع تمددها الجغرافي. ولذلك تدفع الضائقة السكنية وعدم وجود أراض بسكان العيسوية للبناء غير المرخص، من اجل إسكان أبنائهم كنتيجة للزيادة الطبيعية للسكان، وتلك الأبنية تكون بلدية الاحتلال ووزارة الداخلية، حاضرة لها بالمرصاد، إما بالهدم في المراحل الأولى من البناء،او فرض غرامات باهظة على البناء غير المرخص بعد بنائه، ومن ثم دورة من الذل والمهانة لصاحب البيت في المحاكم الإسرائيلية تمتد لعدة سنوات أقلها خمس سنوات، وتصل أحياناً الى خمسة عشر عاماً، وما يتكبده من خسائر كبيرة مصاريف للمحامين والمهندسين والمساحين، ومن بعد ذلك غرامات باهظة على البناء، وفي أغلب الأحيان، لا يستطيع الإنسان المقدسي ترخيص ما بناه، وبالتالي يكون مصير ما بناه، إما قيام جرافات وبلدوزرات الاحتلال بعملية هدم البيت، وتحميل صاحب البيت تكاليف عملية الهدم (60 – 80 ) ألف شيكل، او إجبار الإنسان المقدسي على هدم بيته بيديه، وهنا قمة الإذلال وإمتهان الكرامة.

العيسوية وجبل المكبر ومخيم شعفاط والبلدة القديمة وسلوان من أكثر الأحياء المقدسية التي تعرضت لعقوبات جماعية، والإحتلال سعى الى كسر إرادة سكانها وتحطيم معنوياتهم عبر أشكال عقابية متنوعة ومتعددة،وبسبب هذا الصداع الدائم من تلك البلدات والأحياء،طرح قادة امنيون وعسكريون حاليون ومتقاعدون ووزراء واعضاء كنيست،فكرة الإنفصال عن أحياء كالعيسوية وجبل المكبر ومخيم شعفاط وصورباهر، ووضع سكانها في " جيتوات مغلقة، يتحكم الاحتلال في مداخلها ومخارجها بحيث لا يكونوان ضمن مسؤولية السلطة أو جزء من المناطق التابعة لبلدية الاحتلال في " القدس" .

سكان بلدة العيسوية في ظل حالة القمع والتنكيل المتواصلة بحقهم من قبل الاحتلال " طفح بهم الكيل"، ولذلك لم يكن أمامهم أي خيار سوى الصمود والمقاومة، ولذلك إنتفضوا في وجه الاحتلال، وكانت انتفاضتهم متزامنة مع عقد ورشة البحرين الاقتصادية، المستهدفة تصفية القضية الفلسطينية،ومرتكزات مشروعها الوطني، وفي المقدمة منه القدس، ولذلك جاءت هبة وانتفاضة اهل العيسوية، لكي تعبر أيضا عن الرفض المقدسي، لما جرى في البحرين من تطاول على حقوق شعبنا وقضيتنا الفلسطينية.

العيسوية قالت لا لورشة البحرين الاقتصادية كأداة لصفقة القرن التصفوية،وهي لم تكتف بمعارضة تلك الصفقة قولاً،بل أتبعت ذلك بالفعل عبر مواجهة مع الاحتلال مستمرة ومتواصلة،دفعت فيها الشهيد الأسير المحرر محمد سمير عبيد، وعشرات الجرحى والعديد من الأسرى، وهي ترسل رسائلها للمحتل، بانه مهما قمعتم ونكلتم،ومارستم عقوباتكم الجماعية فالعيسوية لن تركع ولن ترفع الراية البيضاء.

الاحتلال يمارس كل اشكال البلطجة والزعرنة بحق شعبنا الفلسطيني عامة، وشعبنا واهلنا في مدينة القدس خاصة، مسكوناً بنظرية "التفوق العرقي" معتقداً بان عطايا المتصهين ترامب بنقل سفارة بلاده من تل ابيب الى القدس والإعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال، توفر له الفرصة لاستثمار ذلك سياسياً، بطرد وترحيل شعبنا قسراً من مدينة القدس، ولذلك نشهد "مجزرة" بحق الحجر الفلسطيني على طول وعرض مدينة القدس، في واد الحمص وواد ياصول واحياء البستان ووادي الربابة وبطن الهوى في سلوان وكبانية ام هارون وكرم الجاعوني في الشيخ جراح..الخ.

نتنياهو وجوقة المتطرفين معه مع كل مكونات ومركبات الطيف السياسي الصهيوني من اليمين الديني والعلماني، يعتقدون واهمين بأن المقدسي الذي لا يخضع بالقوة، يخضع بالمزيد منها، وفي قاموسهم لا يوجد هناك شعب فلسطيني، بل تجمعات سكانية، هكذا وصفنا مهندس ورشة البحرين الاقتصادية المتصهين كوشنر،الناس في غزة، الناس في الضفة الغربية، وكأننا لسنا شعبا، بل مجرد أرقام بدون أسماء او أرقام هوية.

على نتنياهو وجوقة الرداحين معه من قوى اليمين الصهيوني المتطرف، أن يدركوا بأننا لن نكون هنوداً حمرا ولن نتبخر او نختفي، وصغارنا لن ينسوامهما كانت المرحلة رديئة و"حراشية". وها هي العيسوية بصمودها ونضالاتها تعيد اتجاه البوصلة لكل العرب والمسلمين ،بأنها القدس ولا شيء آخر غير القدس.

نعم العيسوية تتعرض لحملة شرسة ومتواصلة.. إنها حرب التطهير العرقي بحق المقدسيين لدفعهم لرفع راية الإستسلام في ظل وضع فلسطيني داخلي متشظي ومنقسم وجبهته الداخلية غير محصنة، ووضع عربي منهار و"مندلق" على التطبيع العلني مع العدو الصهيوني، ومشارك معه في احلاف وعمليات تنسيق وتعاون للأسف.