اضطرابات الإقليم تهدد الوجود الإيراني

تقرير لـ تشارلز بيبلزر - موقع "ذا ميديا لاين".

تهدد "الزلازل الجيوسياسية" التي سببتها الحروب الاهلية بتدمير حلم "الهلال الشيعي"، الذي دعمته إيران في دول مثل العراق وسوريا ولبنان من خلال استثمار عشرات مليارات الدولارات من رأس المال السياسي والعسكري.

نظراً لقدرتها على إبراز الهيمنة في الشرق الأوسط بشكل كبير بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية ، فإن الاحتجاجات الجماهيرية التي سببها الغضب من التدخل الإيراني في هذه الدول قد ألقت بظلالها على توسع سيطرة الجمهورية الإسلامية.

في لبنان، عندما أشعلت العداوة القائمة على الدين حربًا أهلية من عام 1975 حتى عام 1990 ، خرج مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع ، مطالبين بإنهاء هيكل السلطة الفاسد المستمر منذ عقود والذي يحتفظ بالرئاسة لمسيحي ماروني ، ورئاسة الوزراء لمسلم سني ورئاسة البرلمان للشيعة.

في حين أجبرت الاحتجاجات التي وقعت في الاسابيع الماضية رئيس الوزراء سعد الحريري على الاستقالة، فإن العديد من المسلمين السنة يوجهون غضبهم في المقام الأول إلى حزب الله، "وكيل الإرهاب الإيراني".

في حين أن "الواسطة" و "الادارة الفاشلة" في لبنان كانا السبب الرئيسي لتدمير الاقتصاد، ويُنظر اللبنانيون إلى حزب الله على أنه يزيد الأمور سوءاً من خلال مشاركته في الحرب الأهلية السورية وما نتج عنها من تدفق نحو مليون لاجئ إلى لبنان. هؤلاء اللاجئين يعتبرون عبئًا آخر على الحكومة اللبنانية .

وأي إضعاف لمكانة حزب الله سيقلل بالتالي من التدخل الإيراني في السياسة الداخلية اللبنانية.

قال توم حرب، مدير التحالف الشرق أوسطي الأمريكي في حديث مع "ذا ميديا لاين" : لقد بدأت الاحتجاجات في لبنان بسبب الفساد ، لكن عندما أمرت إيران حزب الله بالبدء في سحق الاحتجاجات ، أدرك الناس أن القضية أكبر".

وأضاف "حاول حزب الله صرف الانتباه عن الاوضاع في البلاد عن طريق تصريحات حول الاحتلال الإسرائيلي أو المشاكل التي تواجهها الدول العربية ".

أما في بغداد ، الوضع أكثر حدة وألم. سرعان ما تحولت الاحتجاجات السلمية إلى عنف ، التي بدأت بالمطالبات بتحسين الاحوال المعيشية للسكان والحصول على المواد الغذائية الأساسية مثل المياه العذبة والكهرباء ، وصل عدد القتلى من المدنيين في الوقت الحالي الى 300.

قُتل العشرات على أيدي فصائل من "قوات الحشد الشعبي"، على الرغم من أن دمجهم رسمياً في الجيش العراقي ، إلا أنهم ما زالوا على علاقات وثيقة مع إيران ، وغالباً ما يتصرفون بتوجيهات منها.

غضب المتظاهرين العراقيين من التأثير الايراني على الحكومة العراقية واضحاً في الهجوم الذي وقع هذا الأسبوع على القنصلية الإيرانية في كربلاء ، وهي مدينة مقدسة يقوم ملايين الشيعة بالحج فيها سنوياً ، على عكس الحج السنوي الذي يقوم به السنة إلى مكة.

قال البروفيسور عوزي رابي ، مدير مركز موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية والإفريقية بجامعة تل أبيب وباحث رئيسي في مركزها للدراسات الإيرانية : " تعتبر العراق مركزاً للأنشطة الإمبريالية الإيرانية - البلد يعني كل شيء عندما تفكر في عمق تغلغل طهران هناك" .

وقال ربيع: "تخشى طهران من إمكانية الإطاحة برئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي ، الموالي لإيران"، والذي سيُنظر إليه على أنه انتصار كبير للمتظاهرين "وضربة هائلة للجمهورية الإسلامية".

واوضح ربيع أن الخلافات بين السنة والشيعة تتفاقم بسبب الخلافات الداخلية بين السكان الشيعة أنفسهم.

"البعض ، بمن فيهم آية الله العظمى علي السيستان، الزعيم الروحي للشيعة في العراق، يضغطون على الحكومة لوقف التدخل الايراني في بغداد، وهو تطور آخر من شأنه أن يؤدي إلى تقليص النفوذ الإيراني.

أما بالنسبة الى سوريا،يمكن أن تكون حالة اختبار مثالية لهذه الفرضية، حيث اندلع الصراع عندما ثار الغالبية السنية - المدعومين من السعودية - ضد نظام الأسد، المدعوم من العلويين. الامر الذي دفع إيران، التي تعتبر نفسها طليعة الإسلام الشيعي، إلى تزويد دمشق بالمعدات العسكرية المهمة والمعرفة التكتيكية للقضاء على المعارضة المسلحة.

ارسلت طهران إلى سوريا عشرات الآلاف من المرتزقة الشيعة من آسيا الوسطى والشرق الأقصى بهدف ضمان استمرار حكم الأسد ، وبالتالي هيمنة إيران على سوريا ، ولكن أيضًا لتغيير التركيبة الديمغرافية للبلاد .

ومع ذلك ، فإن قبضة إيران على سوريا، المحور الأساسي للهلال الشيعي، ربما تتلاشى. برزت روسيا على الساحة بصفتها وسيط القوة الرئيسي منذ تدخلها عسكريًا لدعم الأسد في عام 2015. والجدير بالذكر أن موسكو تشعر بالضيق من التطرف الإسلامي بعد أن استهدفها في السنوات الأخيرة إرهابيون مسلمون يقيمون في شمال القوقاز.

لقد تراجعت الهيمنة الايرانية بسبب التوغل عبر الحدود في شمال شرق سوريا من قبل القوات التركية ، وبسبب وجود القوات الأمريكية في المناطق المجاورة. كما تحتفظ الولايات المتحدة بالجنود في قاعدة عسكرية بمنطقة التنف، التي تتمتع بموقع استراتيجي بالقرب من المعبر الحدودي مع العراق.

وأشار "تحالف حرب الشرق الأوسط الأمريكي من أجل الديمقراطية" إلى أن طهران ربما تكون قد عانت من نكسة كبيرة في اليمن ، حيث قدم الحرس الثوري الإسلامي لمدة نصف عقد دعماً ماديًا للحوثيين في حربهم ضد المجتمع الدولي، وضد حكومة معترف بها مدعومة من تحالف الدول السنية الذي تقوده السعودية.

هذا الأسبوع ، وقعت الحكومة اليمنية، التي أجبرها الحوثيون في عام 2014 على الخروج من العاصمة صنعاء، على اتفاقية لتقاسم السلطة مع المجلس الجنوبي الانتقالي ، وهي جماعة انفصالية تدعمها الإمارات العربية المتحدة.

إن الهدف الظاهري للمصالحة هو وقف القتال الداخلي وبالتالي السماح بإعادة توجيه الجهود نحو إعادة السيطرة على المناطق في شمال اليمن التي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين.

ثم هنالك إسرائيل ، التي ضربت خلال العامين الماضيين مئات المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا، مما أثر بشكل كبير على قدرة الجمهورية الإسلامية على إقامة بنية تحتية دائمة واستخدام الفوضى السائدة هناك كغطاء لتهريب الأسلحة المتطورة إلى حزب الله.

كل هذا يحدث على خلفية التوترات المتصاعدة في الخليج.

خلال الصيف، اتُهمت إيران بارتكاب العديد من الهجمات على ناقلات النفط التجارية التي تعبر الممرات المائية الحيوية.

في أيلول الماضي، أدى الهجوم على منشأتي النفط التابعتين لشركة أرامكو السعودية إلى خفض إنتاج المملكة إلى النصف. على الرغم من إنكار إيران، إلا أن الرياض وواشنطن وعواصم أوروبية عديدة ألقت باللوم على طهران، حيث سلطت الأضواء على تصرفات الحرس الثوري الإيراني .

أخيراً ، زادت إيران أنشطتها النووية بشكل كبير منذ أن أعلنت أنها ستخفض التزاماتها بخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 ، والتي انسحبت منها الولايات المتحدة في مايو 2018.

باتت ايران تنتج 5 كيلوغرامات يوميا من اليورانيوم المخصب، أي أكثر بعشر مرات مما كانت تنتجه قبل شهرين عندما أعلنت وقف التزامها ببعض القيود على برنامجها النووي.

القادة الإيرانيين ما زالوا بارعون استراتيجياً وملتزمين بأيديولوجيتهم، وربما الأهم من ذلك، على استعداد لاستخدام تدابير قاسية ومدمرة، بما في ذلك ضد ايرانيين معارضين من أجل تحقيق طموحاتهم.

وقد تسبب هذا في جعل الجهات الفاعلة في العالم الإسلامي السني تبدأ في التراجع بقوة ضد هذه الإمكانية.

لكن بالنظر إلى القيود العسكرية ، كم سيكون من المفارقات أن تكون الولايات المتحدة ذات الغالبية المسيحية وإسرائيل مسؤولين في النهاية عن إيقاع الانقلاب الذي أدى إلى إنهاء حلم النظام الإيراني في إقامة الخلافة الشيعية.