الانتخابات رافعة نحو تحقيق المصالحة .. أم صراع بين السياسيين ورجال العسكرة والأمن

الأحد...وكل يوم أحد

الانتخابات رافعة نحو تحقيق المصالحة

أم صراع بين السياسيين ورجال العسكرة والأمن

بقلم: المحامي زياد أبو زياد

يحيي الشعب الفلسطيني هذا الشهر ذكرى رحيل القائد الشهيد ياسر عرفات في الحادي عشر من تشرين الأول عام 2004 أي قبل خمسة عشر عاما. اختلف البعض معه في حياته ولكن معظم إن لم يكن جميع الذين اختلفوا معه في حياته أصبحوا من بين من يبكونه بعد وفاته ذلك لأن الوضع الفلسطيني ومنذ رحيل ياسر عرفات ، يسير من السيء الى أسوأ سواء على الصعيد الداخلي في حركة فتح ، أو الصعيد السياسي الداخلي الفلسطيني ، أو ما يجري على الأرض داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ، أو العلاقات الثنائية مع إسرائيل ، أو على مستوى الإقليم. أي أن رحيل عرفات كان بداية الانهيار على كافة الأصعدة.

ولا شك بأن الحديث عن التطورات التي شهدتها الأصعدة آنفة الذكر يحتاج الى مجلدات ولذا فسوف اقتصر في الحديث عن الصعيد الفلسطيني لأنه هو المحور الأهم بالنسبة لنا ولأنه إن استمر على هذا المنوال فنحن لا سمح الله في الطريق الى زوال كل الإنجازات التراكمية التي حققتها عقود طويلة من النضال الوطني الفلسطيني بكل ما فيها من تضحيات تتراوح بين آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين والمبعدين ، وما زال الحبل على الجرار.

لقد كان أسوأ وأخطر ما حدث لنا على الصعيد الفلسطيني هو الإنقسام المشؤوم في حزيران عام 2007 والذي تمثل في الانقلاب الحمساوي ضد الشرعية الفلسطينية وتم خلاله ارتكاب مذابح دموية ضد كوادر وقيادات فتح في القطاع وتصفية العديد من هذه القيادات وخاصة القيادات الميدانية وإصابة العديد الآخر منها بإعاقات جسدية والفصل بين بعض هذه القيادات التي تزامن الانقلاب مع وجودها خارج غزة ولم تستطع العودة للقطاع وبين ما تبقى لها من كوادر وقواعد في القطاع.

وإذ أقول هذا فإنني لا أتجاهل ما ادعته حركة حماس آنذاك بأن الانقلاب كان خطوة استباقية ضد ما كان يحاك لها من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لفتح والذي لا أتقبله بشكل تلقائي ولا أرفضه بنفس الشكل لأنني لست في موقع التحقق منه وإثباته أو نفيه. وسواء كان هذا الإدعاء صحيحا ً كليا ً أو جزئيا ً أو باطلا ً إلا أنه يُسجل على القيادة السياسية لحركة فتح آنذاك بأنها لم تتعامل مع الانقلاب بصفة الاستعجال كما لو قام الرئيس عباس في اليوم التالي للإنقلاب بالتوجه الى غزة ووأد الفتنة في مهدها ، ولم تعمد الى إعادة القطاع الى حضن الشرعية ، بل بالعكس ظلت رام الله بشكل أو بآخر تدعم الانقلاب دون أن تقصد وذلك من خلال استمرار تحمل التبعات المادية للقطاع لاعتبارات اعتقدت أنها وطنية تمليها عليها التزامتها تجاه شعبها في القطاع ، مما أتاح لحماس فرصة التفرغ لبناء قدراتها وقوتها السياسية والعسكرية الى ان استطاعت مع الوقت ترسيخ قواعد حكمها للقطاع وتحولت حماس الى أداة فاعلة في يد بعض القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا التي زودت حماس بالمال والتكنولوجيا العسكرية لتحويل القطاع الى قاعدة نفوذ لها في صراعاتها الإقليمية ، فوصلت غزة الى ما وصلت إليه في الشأن العسكري وأصبحت كيان ذو مأسسة تشبه الدولة بينما ظلت رام الله تلتزم بقواعد اللعبة السياسية المرهونة بوهم الحل السياسي التفاوضي ولم تقم ببناء أية مقومات عسكرية ذاتية.

ولا شك بأن كل ما حدث ويحدث في القطاع هذه الأيام يؤكد استحالة إعادة الوضع بين قطاع غزة والضفة الغربية الى الوضع التقليدي الذي كان عليه قبل حزيران 2007 وأن لا مناص من البحث عن وسائل خلاقة مبدعة غير تقليدية للجمع بين الطرفين في إطار علاقة جديدة على أسس جديدة إذا ما أريد الجمع بينهما من جديد.

لقد تم خلال السنوات الطويلة الماضية إهدار الكثير من الوقت والمال والجهد الإنساني فيما وصف بجهود المصالحة بينما كان الواقع يقول بأنه وبالتزامن مع الجهود والحديث عن المصالحة كانت هناك جهود تُبذل لإجهاض هذه المصالحة ومنع حدوثها الى أن أصبح الحديث عنها هذه الأيام أمرا عبثيا.

ومع ذلك فإن الكثيرين منا لم يفقدوا الأمل في إمكانية حدوث ذلك لأنه هو الأمل الوحيد للخروج من المأزق الذي نحن فيه الآن ، وذلك من خلال استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية والتحرك على أساس برنامج وطني واحد ينطلق من قاعدة نضالية واحدة تتفق عليها وتلتف من حولها كافة مكونات الشعب الفلسطيني. ولهذا السبب تعلق الكثيرون منا بالدعوة التي أطلقها الرئيس محمود عباس من على منبر الأمم المتحدة لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ورأوا أن هذه الدعوة إذا ما تمت وأجريت انتخابات فإنها ستشكل رافعة لتحريك الوضع الفلسطيني وزحزحة الإنقسام وإنهائه.

وللأسف الشديد فإنه رغم التصريحات العلنية الإيجابية التي صدرت عن الحركتين وخاصة حماس إلا أنه ومنذ إطلاق تلك الدعوة تتوارد أنباء محبطة تؤكد بأن ما يُقال في العلن ليس بالضرورة هو ما تبيته الأنفس وأن لكل من الطرفين أجندته الخاصة وأهدافه التي لا تتفق مع مفهوم التوافق والتصالح والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع وليس التي تُفرق.

لقد كان من المفروض مثلا أن تتبنى حركة حماس موقفا ً إيجابيا من رغبة الفتحاويين في القطاع إحياء ذكرى رحيل ياسر عرفات بإقامة مهرجان فتحاوي يبعث الهمم ويعيد الروح المعنوية للقاعدة الفتحاوية في القطاع التي تُعاني منذ سنين الانقسام من قمع قوى الأمن الحمساوية في غزة بمسمياتها المختلفة ، ولكن حماس عمدت الى العكس من ذلك. فقد استغلت هذه المناسبة للعب على وتر الانقسام داخل حركة فتح فقامت بحملة اعتقالات واسعة بين قيادات وكوادر فتح الموالية لرام الله وسمحت للشق الثاني المؤيد للأخ محمد دحلان بالدعوة الى مهرجان فتحاوي بهذه المناسبة. أي أن حماس لم تحاول استغلال المناسبة لجسر الهوة بينها وبين فتح وإنما لتعميق الشرخ والهوة بين جناحي فتح.

ولو كانت لدى حماس أية نية لتحسين الأجواء وإزالة الضباب المتراكم بين غزة ورام الله لسمحت بهذا المهرجان بل ولذهب قادتها إليه وكانوا على رأس أو في مقدمة الذين توافدوا لإحياء ذكرى القائد التاريخي الذي اختلف البعض معه ولكنهم لم يختلفوا عليه.

وعلى أية حال فإن من الممكن المجازفة بالقول بأن كل المؤشرات تفيد بأنه في داخل كل من الحركتين أناس يؤيدون المصالحة وإجراء الانتخابات وآخرون لا يريدون المصالحة ولا يريدون الانتخابات ولكل أسبابه وأجندته.

ويبدو أيضا أنه في كلا الحركتين أناس يشتغلون بالسياسة ولربما يميلون للتصالح كرافعة سياسية للوضع المتردي وآخرون يشتغلون بالعسكرة والأمن ويرون في التصالح خطرا ً عليهم وعلى أجندتهم. وبين هؤلاء وهؤلاء ضاعت وستضيع الجماهير الصامتة إن لم تنتفض وتقف لتقول لا مهما كان الثمن.

هل ذلك ممكن ؟ الجواب يأتي من أرض الأرز الأرض التي عاش ويعيش فوق ثراها أكثر الشعوب العربية رفاهية وميلا للحياة الهانئة الهادئة وهاهم اليوم يسطرون أجمل أيان الثورة وبأرقى مظاهرها فكيف إذا كان الأمر يتعلق بشعب يقف أمام التحدي : أن يكون أو لا يكون.

abuzayyadz@gmail.com