"أنا لم أحرق نفسي، أنا انفجرت فقط"، يحيى كراجة.. حين تموت الإنسانية!

لم يجد حلاً لمعاناته بين ظلم الأقرباء وتكالُب الغرباء ولم يجد سوى آذانٍ صمّاء

عاش وشقيقه بين أزقة الشوارع والساحات العامة والبحر

دُفن بجانب والده لعدم استطاعة شقيقه شراء قبر له ولم يُفتَح له بيت عزاء

غزة- تقرير خاص بـ"القدس" دوت كوم- لم تمر حادثة وفاة يحيى كراجة (26 عامًا) بشكل عابر أمام كل من سمع بمعاناة هذا الشاب الذي لم يجد حلًا لحياته التي عاشها ما بين ظلم الأقرباء وتكالب الغرباء، فجعل من النار حدًا أخيرًا لحياته بحرق جسده الضعيف والهزيل، فمات غريبًا كما كان يعيش، لا يسمع أحد أنين بكائه حين كان يفترش ساحة الجندي المجهول ورمال بحر غزة، ويلتحف بالسماء صيفًا وشتاءً، حرًا وبردًا.

ظهر يحيى في مقطع فيديو عقب احتراقه وإصابته منذ نحو شهر، وكان كل ما يظهر من جسده المحترق جزء صغير من وجهه، وهو يقول بكلمات تعبر عن حجم الألم والمعاناة والظلم والقهر والتشريد الذي عاشه هذا الشاب: "أنا لم أحرق نفسي، أنا لم أنتحر، أنا انفجرت فقط".

كل هذه المعاناة، مرت بشكل عابر أمام الجميع من سياسيين وحقوقيين ومؤسسات خيرية وغيرهم، لم يحرك أحد منهم ساكنًا حين كان الشاب كراجة يلف شوارع غزة، وهو يطالب بتوفير مأوى له ولشقيقه عبد الله، يحميهم من حر الصيف، وبرد الشتاء.

لم يكن يطلب يحيى وشقيقه أكثر من مأوى، فطرق أبواب المسؤولين، وناشد في فيديوهات كل ذي قلب رحيم، لكن وجد آذانًا صماء، وقلوبًا مات فيها الضمير، بعد أن اعتقد الجميع أنه يتحدث "كذبًا" عن معاناته، فلم يجد سوى حرق نفسه ليضع حدًا لحياته البائسة.

تعود قصة يحيى حين كان يعيش مع اثنين من أشقائه ووالده ووالدتهم في الأردن، فانفصل الأب عن الأُم، وعاد الأب إلى قطاع غزة منذ سنوات طويلة، وكان يعمل محاضرًا في جامعة الأقصى بغزة، ثم توفي بعد سنوات، وبقي الأبناء الثلاثة، فحاول بعض الأشخاص تخليص منزلهم منهم، وبعد أشهر طويلة استطاعوا إقناع شقيقهم الأكبر، الذي غادر غزة إلى مصر، ثم اختفى (وقال يحيى في فيديو سابق له إن شقيقه الأكبر قُتل وسُرقت أموال المنزل منه، وتركهم وحدهم بغزة، وقد غادر القطاع عبر الأنفاق حينها).

وأشار يحيى إلى أن شقيقه الآخر عبدالله اختُطف من أولئك الأشخاص الذين نجحوا بتجريدهم المنزل الذي دفع فيه أقل بكثير جدًا من المبلغ الذي يمكن دفعه، وعُذب بشدة، قبل أن يُترك في أحد الشوارع ملقى على جانب الأرض.

عاش الشقيقان يحيى وعبد الله، كما ظهرا في فيديوهات، بين أزقة الشوارع والساحات العامة والبحر، لم يجدوا من يؤمن لهم مأوى يستطيعون المبيت فيه، بالرغم من أن بعض أهل الخير من الخارج قدموا لهم لعدة أشهر بعض المال، إلا أنهم لم يجدوا مأوى ثابتاً ودائماً.

عُلم بوفاة يحيى يوم الخميس الماضي، ولم تؤكد مصادر رسمية ذلك، ورحل مع معاناته والظلم الذي تعرض له بعد شهر من حرق نفسه، ودُفن بجانب والده في مقبرة الزاويدة وسط القطاع، لعدم استطاعة شقيقه عبد الله توفير المبلغ المخصص لشراء القبر (500 شيكل)، ولم يُفتح له بيت عزاء كما باقي الأموات، ولم يكن بجنازته سوى عدد من الأشخاص لا يتعدون الـ 15 فردًا. كما أشار بذلك بعض النشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي الذين ضجوا بقصة يحيى بعد أن فات الآوان، وأصبح خارج هذه الحياة، ليجتمع مع خصومه عند ملك الملوك.

لم تستطع "القدس" دوت كوم الوصول إلى شقيقه، أو لأحدٍ من معارفه، لتبقى الصورة الأخيرة والكلمة ليحيى نفسه قبل مماته: "أنا ما حرقتش حالي، أنا انفجرت بس".