دوامة المصالحة والانتخابات

حديث القدس

بعد سنوات طويلة من الانقسام المأساوي وفشل القوى السياسية الفلسطينية في إنهاء هذا الانقسام وتجنيب شعبنا الفلسطيني مزيدا من المعاناة و مزيدا من الخسائر، رغم كل الاتفاقات التي رعتها أكثر من عاصمة عربية، وبعد أن أعلن الرئيس محمود عباس الدعوة الى إجراء انتخابات عامة يعبر فيها المواطن عن حقه في قول كلمته بصناديق الاقتراع وبعد ان استجابت الفصائل لهذه الدعوة وبذل رئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر جهودا مكثفة في اتصالاته وحواراته مع الفصائل بهذا الشأن وعمت أجواء التفاؤل الكل الفلسطيني بامكانية الخروج من نفق الانقسام عبر هذه الانتخابات، عدنا مجددا لنغرق في دوامة الخلاف على أمور إجرائية وأخرى يفترض انها بديهية خاصة ما يتعلق بالأسس التي يفترض أن تجري بموجبها هذه الانتخابات وهي أسس بديهية في مقدمتها ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا وهو ما يعترف به العالم أجمع.

ومن الواضح للجميع ايضا ان الانتخابات العامة للسلطة الوطنية سواء التشريعية أو الرئاسية تجري استنادا الى القانون الأساس الفلسطيني واتفاقية اوسلو وهو ما تمت بموجبه الانتخابات العامة الاولى والثانية منذ قيام السلطة الوطنية، ولذلك من المستغرب ان يتمحور الخلاف بشأن إجراء الانتخابات العتيدة حول أمور لا صلة لها بالعملية الانتخابية نفسها بل هي في صلب الخلاف القائم بالساحة الفلسطينية الذي أوصلنا الى ما وصلنا اليه من متاهات وفرقة.

إن ما يجب ان يقال هنا اولا ان حق المواطن الفلسطيني في قول كلمته في صناديق الاقتراع يجب الاّ يبقى رهينة مثل هذه الخلافات، فقد سئم شعبنا هذه الدوامات التي يغرقنا بها كل من يسعى الى إطالة أمد الانقسام وحرمان الشعب الفلسطيني من قول كلمته. فالانتخابات لدى أي مجتمع يؤمن بالديمقراطية لا تخضع لاشتراطات هذه القوة السياسية أو تلك، بل ان من حق كافة القوى السياسية طرح برامجها أمام الناخب ومن حق الناخب اختيار من يراه اكثر قدرة على تحقيق اهدافه وطموحاته ومن المتعارف عليه ايضا ان القوى السياسية يجمعها قاسم مشترك هو احترام القوانين والمرجعيات والأسس التي تجري بموجبها هذه الانتخابات، واحترام نتائجها من جهة ومن الجهة الاخرى، وانطلاقا من ان اي مجتمع هو جزء لا يتجزأ من المجتمع الدولي ، احترام القرارات الدولية والمعاهدات الدولية التي يكون هذا المجتمع طرفا فيها.

ولذلك نقول أن الأمور واضحة للمواطن الفلسطيني وقد جربنا مثل هذه الانتخابات مرتين، فلماذا تثار الان قضايا لا صلة لها بالانتخابات نفسها بل لها صلة مباشرة بالانقسام المأساوي والتي لم نستطع حتى اليوم إيجاد حلول شافية لها؟

وفي المحصلة وفي الوقت الذي نعتقد فيه ان هذه الانتخابات قد تكون مقدمة لإنهاء الانقسام إذا ما صدقت النوايا، نقول انه ليس من حق أحد ان يعطل إجراءها ويحرم شعبنا من حقه الطبيعي وينزع عن نظامنا السياسي طابعه الديمقراطي ويوفر الذريعة لاعداء شعبنا بقصد أو دون قصد لنزع الشرعية عن النظام السياسي الفلسطيني ونزع الشرعية عن منظمة التحرير الفلسطينية التي رسخت أسم فلسطين في الخريطة الدولية، بفعل تضحيات شعبنا ونضاله بكل قواه وفصائله.

فالمطلوب اليوم، تمكين شعبنا من إجراء هذه الانتخابات وعلى كافة القوى والفصائل احترام نتائجها لانها ستعبر عن إرادة شعبنا الصامد المناضل، الذي حان الوقت لاخراجه من دوامة المصالحة ودوامة الخلاف حول الانتخابات.