مات البغدادي... عاش ابو العلاء المعري!

بقلم: حمدي فراج

وأخيرا ، قتل ابو بكر البغدادي ، الذي كان اول من تجرأ على تسمية نفسه خليفة للمسلمين في العصر الحديث ، وكان هناك من أيده في علنه وسره ، والاهم من هذا وذاك ، من دعمه بماله وعتاده ورجاله ، ما يشي بأن تعاد الكرة مرة وربما مرات. فالخلافة هدف ما يزال يداعب اماني ملايين المسلمين في المنطقة والعالم .

وهل كانت مشكلة هذا الانسان في اعلان الخلافة وتسمية نفسه خليفة على ارض "حررها" من "رجس الكفار" ؟ ليتها كانت كذلك .

كانت اصعب وابعد وأعقد وأعظم من ذلك بكثير، لقد تجاوزت كل الحدود التي عكفت على وضعها وترسيمها كافة جهود البشرية منذ ان انتصبت قائمة ابنائها قبل عشرات الاف السنين ، لقد مارس القتل الذي نهت عنه كل الشرائع في الساحات والشوارع بدون ادنى اي نوع من انواع مقومات التقاضي ، رجالا ونساء واطفالا ، قتل بالجملة ، قتل بالسكاكين والسيوف والحرق والشنق والغرق ، قتل لكل المعارضين والمختلفين بما في ذلك اتباع ديانات وملل اخرى "باستثناء الاسرائيليين" ، اراد ان يعيد عقارب الساعة الانسانية الى الوراء الاف السنين فيلغي الحريات والتعليم والمستشفيات والاراء والاحزاب والفنون ، اراد ان يعيد المرأة الى كهوف ما قبل التاريخ ، اراد ان يسبيها ويبيعها ويطأها ويشتريها ويطوعها لنكاح المجاهدين . اراد ان يدمر كل تمثال على انه صنم يعبد حتى لو كان تحفة نفيسة ليس لها مثيلها في التاريخ .

لقد تجاوز هذا الشخص في قتله الاحياء الى الذهاب الى اعادة قتل الاموات ، فنبش قبور العديدين من رموز الحضارة والتقدم ، من ضمنهم قبر الشاعر العربي الكبير والفيلسوف الاسلامي الفذ ابو العلا المعري في معرة النعمان شمال سوريا ، الذي مضى على وفاته حوالي ألف سنة (973 – 1057) واحتفلت دمشق بألفية مولده بحضور عظماء العرب والمسلمين والعالم ، من ضمنهم الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في القصيدة من مئة بيت ، مطلعها : قف بالمعرة وامسح خدها التربا / واستوح من طوّق الدنيا بما وهبا . لثورة الفكر تأريخ يحدثنا / بأن ألف مسيح دونها صلبا .

في كل مرة ، أتذكر هذه القصيدة ، وقبره الذي فتحوه عليه لكي ينبشوا عظامه ، اتذكر بعض مما كتبه ابو العلاء : خفف الوطأ ما أظن اديم الارض الا من هذه الاجساد . ودفين على بقايا دفين / ضاحك من تزاحم الاضداد . اتذكر ان العالم الايطالي غوته قد استفاد منه في فردوسه المفقود، اتذكر هيجل الذي استفاد في وضع اسس الديالكتيك الحديث في قوانين نفي النفي وحدة وصراع الاضداد، كلما أتذكر نبش قبر هذا الفيلسوف العظيم ، لا أستيطع تمالك دمعي، احاول ان أمسكها خجلا، فنادرا ما كنت استطيع ، حتى قتل هذا البغداد ، لكي يبقى ابو العلاء المعري حيا يرزق فينا لألف سنة قادمة أخرى .